تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: يتبيّن من هذا أن الحديث رواه بَكْر بن عَمْرٍو، عن الحَارِثِ بن يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ، عن ابن حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ، عن أبي ذَرٍّ.

وخالفه ابن لهيعة، فرواه عن الحارث، عن ابن حجيرة، عمّن سمع أبا ذر.

وخالفهما يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أوثق منهما، فرواه عن الحارث، عن أبي ذر.

والحارث عن أبي ذر منقطع.

قال ابن معين في «تاريخه» (رواية الدوري) (4/ 477): "الحارث بن يزيد عن أبي ذر: لم يسمع من أبي ذر".

ورواية ابن لهيعة أصوب حيث زاد راوياً فضبط إسناد الحديث، وقد أعلّ أبو حاتم الرازي حديثاً برواية ابن لهيعة له وزيادته لرجل في إسناده، وأنه ضبطه مع ضعّفه.

قال ابن أبي حاتم في «علل الأحاديث» (2/ 425): سألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ النُّعمان بنُ المُنذِر، عَنْ مَكْحول، عَنْ عَنبَسَة، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ»؟

فَقَالَ أَبِي: "لِهَذَا الْحَدِيثِ عِلَّة؛ رَوَاهُ ابنُ لَهِيعَة، عَنْ سُلَيمان بنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحول، عَنْ مَوْلًى لِعَنبَسَة بنِ أَبِي سُفْيان، عَنْ عَنبَسَة، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أَبِي: "هذَا دليلٌ أنَّ مَكْحُولً لَمْ يَلْقَ عَنبَسَةَ، وَقَدْ أفسَدَهُ روايةُ ابنِ لَهِيعَة".

قلتُ لأَبِي: لِمَ حَكَمْتَ بِرِوَايَةِ ابنِ لَهِيعَة، وقد عرفتَ ابنَ لَهِيعَة وكثرةَ أوهامِه؟

قال أبي: "فِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَة زيادةُ رجل، ولو كان نُقصانَ رجلٍ، كَانَ أسهلَ عَلَى ابنِ لَهِيعَة حِفْظُهُ".

قلت: وحديثنا من هذه البابة، فزيادة ابن لهيعة لرجلِ في إسناده مع سوء حفظه يدلّ على ضبطه له فقال فيه: "عمّن سمع"، وفي الحديث الذي أعلّه أبو حاتم ضبطه فزاد: "عن مولى لعنبسة"، وهذا يدلّ على ضبطه لهذين الحديثين منه.

ولا زال أهل النّقد يعللون بعض الروايات بزيادة رجل في الإسناد لما يترجّح لهم بأن راويه قد ضبط الإسناد، وفي «علل ابن أبي حاتم» و «علل الدارقطني» أمثلة لذلك.

فالضعيف قد يضبط الحديث إذا زاد رجلاً في إسناده؛ لأن سوء الحفظ يؤثر عليه في إسقاط الرجل لا زيادته!

قال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (5/ 234): سألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ ابنُ وَهْب، عَنِ ابنِ لَهِيعة، عَنِ ابنِ أَنْعُمٍ، عَنْ عُتْبة بنِ حُمَيد الضَّبِّيِّ، عَنْ عُبَادة بْنِ نُسَيٍّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مريَمَ الكِنْدِيُّ، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الإِيمَانُ فِي قَلْبِ الرَّجُلِ أَنْ يُحِبَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ»؟

قَالَ أَبِي: "بين عُتْبَةَ بن حُمَيدٍ وبين عُبَادة: محمَّدُ بنُ سَعِيد الشَّامِيُّ".

قلت: يعني أن ابن لهيعة لم يضبط الإسناد فأسقط منه راوياً بسبب سوء حفظه. فإذا زاد رجلاً في إسناد منقطع دلّ على ضبطه له.

وكذا إذا ضبط الضعيف الحديث فوقفه أو نحو ذلك.

قال ابن أبي حاتم في «علل الأحاديث» (4/ 472): سُئِلَ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ حُسَيْن بنُ حَفْص، عَنْ أبي مسلم ٍ قائدِ الأَعْمَش، عن عُبَيدالله بنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُسْقَى البهائمُ الخمرَ»؟

قال: "هذا باطِلٌ رَفْعُهُ".

قلتُ له: فإنَّ أَبَا زُرْعَةَ قال: "إنما هو موقوفٌ"؟

قال أَبِي: "موقوفٌ أيضاً لا يصحُّ؛ لأنَّ ابنَ لَهِيعة روى عن عُبَيْدالله بنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: أنه كره أن يُسْقَى البهائمُ الخمرَ".

قلت: فابن لهيعة ضبط الحديث لأنه لم يرفعه وجعله من فتوى ابن عمر، والضعيف سيء الحفظ عادة يخطئ في الإسناد فيرفع الحديث، فرجّح أبو حاتم رواية ابن لهيعة لأنه ضبطها.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣١٨