تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يؤكد انقطاع الرواية التي عند الإمام مسلم أن عبدالرحمن بن حجيرة الأكبر قاضي مصر (ت 83 هـ) لا يُعرف أنه سمع من أبي ذر (ت 32 هـ)، وإنما سمع ابن حجيرة من طبقة الصحابة الذين توفوا بعد سنة (50 هـ)، فالحديث منقطع على كلّ الأحوال.

وحديث الإمارة عن أبي ذر أشار إليه الدارقطني بلفظ آخر وذكر فيه إسناد يحيى بن سعيد، عن الحارث، عن أبي ذر، ولم يذكر الاختلاف على الحارث بن يزيد!

ففي «علل الدارقطني» (6/ 237) أنه سئل عن حديث: الحارث بن يزيد، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإمارة، فقال: «من ولي عشرة جيء به يوم القيامة مغلولاً لا يطلقه إلا الحق»؟

فقال: "يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه يحيى القطان وفرج بن فضالة ويزيد بن هارون وغيرهم عن يحيى عن الحارث بن يزيد عن أبي ذر، والحارث لم يسمع من أبي ذر.

ورواه الوليد بن عباد عن يحيى عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر، ووهم، وتابعه صدقة بن موسى، عن يحيى الأنصاري، والصواب قول من قال: عن الحارث بن يزيد عن أبي ذر: مرسل".

قلت: هذا هو أصل الحديث السابق! فقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (4/ 103) برقم (7019) حديث محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد، عن الحارث بن يزيد الحضرمي: «أن أبا ذر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرني فقال إنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة».

قال الحاكم: "وقد قيل: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر".

ثم ساقه من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن مسلم بن إبراهيم، عن صدقة بن موسى، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله، أمرني. قال: الإمارة أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أمر بحق وأدى بالحق عليه فيها».

وهذا هو الحديث الذي أشار إليه الدارقطني في كلامه السابق. ولم يُشر إلى رواية المصريين!

والخلاصة أن حديث طلب أبي ذرّ للإمارة لا يصحّ! وهو منقطع على كلّ الأحوال. والذي صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بأنه ضعيف في تولي أمور الناس حتى في أن يتأمر على اثنين، أو في توليه مال يتيم.

تنبيهات:

أولاً: روى الحاكم في «المستدرك» (4/ 103) برقم (7019) قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ، قال: حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَبْدِالحَكَمِ، قال: حدثَنَا شُعَيْبُ بنُ اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنِ الحَارِثِ بنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمِّرْنِي. فَقَالَ: «إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ».

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: هو منقطع، فالحارث لم يسمع من أبي ذر كما سبق بيانه.

ثانياً: فرّق بعض أهل العلم بين «الحارث بن يزيد» راوي هذا الحديث وجهّلوه، وبين «الحارث بن يزيد الحضرمي المصري» المشهور، وهما واحد.

قال ابن عدي في «الكامل» (2/ 195): "الحارث بن يزيد:

أخبرنا ابن أبي بكر، عن عباس، عن يحيى قال: الحارث بن يزيد عن أبي ذر لم يسمع من أبي ذر شيئاً.

والحارث بن يزيد هذا لا يعرف إلا بروايته عن أبي ذر، وليس هو بمعروف".

قلت: قول ابن معين لا يدل على أنه مجهول! وإنما أراد فقط أن يبين أنه لم يسمع من أبي ذر. فظنّ ابن عدي أنه لا يعرف إلا بروايته عن أبي ذر فجهّله! وتبعه على ذلك: ابن الجوزي، والذهبي، وابن حجر!

قال ابن الجوزي في «الضعفاء والمتروكين» (1/ 184): "الحارث بن يزيد عن أبي ذر. قال ابن عدي: ليس بمعروف".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣١٩