قَال عبدالرَّحْمَنِ بن أَبي حَاتِم: سئل أبي عن همام، وأبان العطار من تقدم منهما؟ قال: "همام أحبّ إليّ ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان فِي الحفظ والغلط".
وَقَال أيضاً: سَأَلتُ أبي عَنْ همام؟ فَقَالَ: "ثقة صدوق، فِي حفظه شيء، وهو فِي قتادة أحبّ إليّ من حماد بن سلمة، ومن أبان العطار".
ثمّ هو نفسه قد أقرّ بأنه كان يُخطئ ويَهم في أحاديثه.
قال عَفَّان بن مُسلم صاحبه: "كَانَ هَمَّامٌ لَا يَكَادُ يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِهِ, وَلَا يَنْظُرُ فِيهِ, وَكَانَ يُخَالَفُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِهِ, وَكَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ", قالَ: "ثُمَّ رَجَعَ بَعْدُ فَنَظَرَ فِي كُتُبِهِ, فَقَالَ: يَا عَفَّانُ, كُنَّا نُخْطِئُ كَثِيرًا, فَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ".
وهذا الحديث لم يروه عنه عفّان، فدلّ ذلك على أنه حدّث به قديماً قبل أن يعرف أنه كان يُخطئ في ما يحدث به ولا يرجع لكتابه.
وقد نقل العقيلي في ترجمته كلام أهل النّقد فيه، ثم ساق له هذا الحديث المرفوع، ثم ساق مخالفة عِكْرِمَة بن عَمَّارٍ له وأنه وقفه على إِسْحَاق بن عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، وأن همام بن يحيى أخطأ في رفعه! ثمّ بيّن أن أصل هذا الحديث هو من قصص عُبيد بن عُمير قاصّ مكة. فساق من طريق الحُمَيْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: كَانَ ثَلَاثَةٌ: أَعْمَى, وَمُقْعَدٌ, وَآخَرُ بِهِ زَمَانَةٌ, قَدْ ذَكَرَ لَنَا عَمْرٌو فَنَسِيتُهَا, وَكَانُوا مُحْتَاجِينَ, فَأُعْطِيَ هَذَا بَقَرَةً, وَهَذَا شَاةً, وَذَكَرَ الحَدِيثَ.
قالَ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ: "وهذَا أَصْلُ الحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ, وقصَصُهُ كَانَ يَقُصُّ بِهِ".
والخلاصة أن همام بن يحيى إذا زاد في حديث وخالفه ثقة آخر فلم يزد فالحكم لمن نقص لقرائن:
الأولى: ما عُرف من أخطاء يحيى وأوهامه قديماً قبل أن يرجع لكتابه.
الثانية: نصّ الأئمة أنه كان يزيد في الإسناد، أي: يصل المرسل، أو يرفع الموقوف.
وعليه فالصواب في الحديث الوقف، وكأن من سمعه من همام من أهل البصرة سمعوه قديماُ، ولم يروه عفان الذي نقل عنه أنه كان يخطئ قديماً.
وكأن عكرمة بن عمار اليمامي - الذي خالف فيه العوذي - سمعه من إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة الأنصاري المدني في اليمامة؛ لأنه نزل اليمامة وبقي بها إلى زمن بني هاشم، وهذا يدلّ على أن إسحاق حدّث به موقوفاً، ولو كان عنده مرفوعاً لحدث به. وهنا ترجح رواية عكرمة على رواية همام.
ويُحتمل أن عبدالرحمن بن أبي عمرة - وكان قاصّ أهل المدينة - أخذه من عبيد بن عمير قاصّ مكة، فلما سمع إسحاق الحديث من عبدالرحمن من قصصه لم يُسنده له؛ لأنه ليس مرفوعاً، فصار موقوفاً عليه.
ولو كان هذا الحديث حدّث به أبو هريرة لوجدناه عند أصحابه الستة الكِبار: سَعِيد بن المُسَيَّب، وأبو سلمة، والأعرج، وأبو صالح السمّان، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وهمام بن مُنبّه. والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وكتب: أبو صهيب خالد الحايك