تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومَا اعْترضُوا بِهِ من فعل عُثْمَان فَمَا علم قطّ أَنه يقتل وَإِنَّمَا كَانَ يراهم يحاصرون فَقَط، وهم لَا يرَوْنَ هَذَا الْيَوْم للْإِمَام الْعدْل بل يرَوْنَ الْقِتَال مَعَه ودونه فرضا فَلَا حجَّة لَهُم فِي أَمر عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ.

· رد ابن حزم على من قال بأن الخروج على الإمام الفاسق يؤدي إلى سفك الدماء وهتك الأستار!

وَقَالَ بَعضهم: إِن فِي القيام إِبَاحَة الحَرِيم وَسَفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال وهتك الأستار وانتشار الْأَمر! فَقَالَ لَهُم الْآخرُونَ: كلا، لِأَنَّهُ لَا يحل لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر أَن يهتك حريماً وَلَا أَن يَأْخُذ مَا لاً بِغَيْر حق، ولا أَن يتَعَرَّض لمن لَا يقاتله، فَإِن فعل شَيْئا من هَذَا فَهُوَ الَّذِي فعل مَا يَنْبَغِي أَن يُغير عَلَيْهِ، وَأما قَتله أهل الْمُنكر قَالُوا أَو كَثُرُوا فَهَذَا فرض عَلَيْهِ، وَأما قتل أهل الْمُنكر النَّاس وَأَخذهم أَمْوَالهم وهتكهم حريمهم كُله من الْمُنكر الَّذِي يلْزم النَّاس تَغْيِيره، وَأَيْضًا فَلَو كَانَ خوف مَا ذكرُوا مَانِعا من تَغْيِير الْمُنكر وَمن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَكَانَ هَذَا بِعَيْنِه مَانِعا من جِهَاد أهل الحَرْب، وَهَذَا مَا لا يَقُوله مُسلم وَإِن ادّعى ذَلِك إِلَى سبي النَّصَارَى نسَاء الْمُؤمنِينَ وَأَوْلَادهمْ وَأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَائِهِمْ وهتك حريمهم وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَن الْجِهَاد وَاجِب مَعَ وجود هَذَا كُله وَلَا فرق بَين الْأَمريْنِ، وكل ذَلِك جِهَاد وَدُعَاء إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة.

وَيُقَال لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي سُلْطَان جعل الْيَهُود أَصْحَاب أمره، وَالنَّصَارَى جنده، وألزم المُسلمين الجِزْيَة، وَحمل السَّيْف على أَطْفَال الْمُسلمين، وأباح المسلمات للزِّنَا، وَحمل السَّيْف على كل من وجد من الْمُسلمين، وَملك نِسَاءَهُمْ وأطفالهم، وأعلن الْعَبَث بهم، وَهُوَ فِي كل ذَلِك مقرّ بِالْإِسْلَامِ مُعْلنا بِهِ لَا يدع الصَّلَاة؟!

فَإِن قَالُوا: لا يجوز القيام عَلَيْهِ، بل قيل لَهُم أَنه لَا يدع مُسلما إِلَّا قَتله جملَة وَهَذَا أَن ترك أوجب ضَرُورَة أَلا يبْقى إِلَّا هُوَ وَحده وَأهل الْكفْر مَعَه، فَإِن أَجَازُوا الصَّبْر على هَذَا خالفوا الْإِسْلَام جملَة وانسلخوا مِنْهُ.

وَإِن قَالُوا: بل يُقَام عَلَيْهِ وَيُقَاتل، وَهُوَ قَوْلهم، قُلْنَا لَهُم فَإِن قتل تِسْعَة أعشار الْمُسلمين أَو جَمِيعهم إِلَّا وَاحِد مِنْهُم وَسبي من نِسَائِهِم كَذَلِك وَأخذ من أَمْوَالهم كَذَلِك فَإِن منعُوا من الْقيام عَلَيْهِ تناقضوا، وَإِن أوجبوا سألناهم عَن أقل من ذَلِك وَلَا نزال نحيطهم إِلَى أَن نقف بهم على قتل مُسلم وَاحِدًا أَو على امْرَأَة وَاحِدَة أَو على أَخذ مَال أَو على انتهاك بشرة بظُلْم، فَإِن فرقوا بَين شَيْء من ذَلِك تناقضوا وتحكموا بِلَا دَلِيل، وَهَذَا مَا لا يجوز، وَإِن أوجبوا إِنْكَار كل ذَلِك رجعُوا إِلَى الْحق ونسألهم عَمَّن غصب سُلْطَانه الجائر الفَاجِر زَوجته وَابْنَته وَابْنه ليفسق بهم أَو ليفسق بِهِ بِنَفسِهِ أهوَ فِي سَعَة من إِسْلَام نَفسه وَامْرَأَته وَولده وَابْنَته للفاحشة أم فرض عَلَيْهِ أَن يدْفع من أَرَادَ ذَلِك مِنْهُم؟ فَإِن قَالُوا: فرض عَلَيْهِ إِسْلَام نَفسه وَأَهله أَتَوا بعظيمة لَا يَقُولهَا مُسلم، وَإِن قَالُوا: بل فرض عَلَيْهِ أَن يمْتَنع من ذَلِك وَيُقَاتل رجعُوا إِلَى الْحق وَلزِمَ ذَلِك كل مُسلم فِي كل مُسلم وَفِي المَال كَذَلِك.

والْوَاجِب أَن وَقع شَيْء من الجور وَإِن قل أَن يكلم الإِمَام فِي ذَلِك وَيمْنَع مِنْهُ فَإِن امْتنع وراجع الْحق وأذعن للقود من الْبشرَة أَو من الْأَعْضَاء ولإقامة حد الزِّنَا وَالْقَذْف وَالْخمر عَلَيْهِ فَلَا سَبِيل إِلَى خلعه وَهُوَ إِمَام كَمَا كَانَ لَا يحل خلعه، فَإِن امْتنع من إِنْفَاذ شَيْء من هَذِه الْوَاجِبَات عَلَيْهِ وَلم يُرَاجع وَجب خلعه وَإِقَامَة غَيره مِمَّن يقوم بِالْحَقِّ لقَوْله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَلَا يجوز تَضْييع شَيْء من وَاجِبَات الشَّرَائِع، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق" انتهى كلامه – رحمه الله-.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣١٠