وَأما سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرنَا وقصة ابْني آدم فَلَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا:
أما قصَّة ابْني آدم فَتلك شَرِيعَة أُخْرَى غير شريعتنا. قَالَ الله عز وَجل ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً﴾.
وَأما الْأَحَادِيث فقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من رأى مِنْكُم مُنْكراً فليغيره بِيَدِهِ إِن اسْتَطَاعَ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان شَيْء. وَصَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لا طَاعَة فِي مَعْصِيّة إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الطَّاعَة وعَلى أحدكُم السّمع وَالطَّاعَة مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة، فَإِن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة)، وَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد)، والمقتول دون دينه شَهِيد، والمقتول دون مظْلمَة شَهِيد. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: (لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليعمنكم الله بِعَذَاب من عِنْده) فَكَانَ ظَاهر هَذِه الْأَخْبَار مُعَارضاً للْآخر، فصح أَن إِحْدَى هَاتين الجملتين ناسخة لِلْأُخْرَى لَا يُمكن غير ذَلِك، فَوَجَبَ النّظر فِي أَيهمَا هُوَ النَّاسِخ، فَوَجَدنَا تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي مِنْهَا النَّهْي عَن الْقِتَال مُوَافقَة لمعهود الأَصْل وَلما كَانَت الْحَال فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام بِلَا شكّ، وَكَانَت هَذِه الْأَحَادِيث الْأُخَر وَارِدَة بشريعة زَائِدَة وَهِي الْقِتَال، هذَا مَا لَا شكّ فِيهِ، فقد صَحَّ نسخ معنى تِلْكَ الأحاديث وَرفع حكمهَا حِين نطقه عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذِهِ الْأُخَر بِلَا شكّ، فَمن المحَال المحرم أَن يُؤْخَذ بالمنسوخ وَيتْرك النَّاسِخ وَأَن يُؤْخَذ الشَّك وَيتْرك الْيَقِين، وَمن ادّعى أَن هَذِه الْأَخْبَار بعد أَن كَانَت هِيَ الناسخة فَعَادَت مَنْسُوخَة فقد ادّعى الْبَاطِل وَقفا مَا لَا علم لَهُ بِهِ فَقَالَ على الله مَا لم يعلم، وهذَا لا يحل، وَلَو كَانَ هَذَا لما أخلا الله عز وَجل هَذَا الحكم عَن دَلِيل وبرهان يبين بِهِ رُجُوع الْمَنْسُوخ نَاسِخاً لقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآن ﴿تبياناً لكل شَيْء﴾، وبرهان آخر وَهُوَ أَن الله عز وَجل قَالَ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء﴾ لم يخْتَلف مسلمان فِي أَن هَذِه الْآيَة الَّتِي فِيهَا فرض قتال الفئة الباغية محكمَة غير مَنْسُوخَة، فصح أَنَّهَا الحاكمة فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث فَمَا كَانَ مُوَافقاً لهَذِهِ الْآيَة فَهُوَ النَّاسِخ الثَّابِت وَمَا كَانَ مُخَالفا لَهَا فَهُوَ الْمَنْسُوخ الْمَرْفُوع، وَقد ادّعى قوم أَن هَذِه الْآيَة وَهَذِه الْأَحَادِيث فِي اللُّصُوص دون السُّلْطَان! وهَذَا بَاطِل مُتَيَقن لِأَنَّهُ قَول بِلَا برهَان وَمَا يعجز مُدع أَن يَدعِي فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث أَنَّهَا فِي قوم دون قوم وَفِي زمَان دون زمَان، وَالدَّعْوَى دون برهَان لَا تصح، وَتَخْصِيص النُّصُوص بِالدَّعْوَى لا يجوز؛ لِأَنَّهُ قَول على الله تَعَالَى بِلَا علم، وَقد جَاءَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن سَائِلًا سَأَلَهُ عَن من طلب مَاله بِغَيْر حق فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تعطه. قَالَ: فَإِن قاتلني؟ قَالَ: قَاتله. قال: فَإِن قَتلته؟ قَالَ: إِلَى النَّار. قَالَ: فَإِن قتلني؟ قَالَ: فَأَنت فِي الْجنَّة) - أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ -. وَصَحَّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: (الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يسلمه وَلَا يَظْلمه)، وَقد صَحَّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: (فِي الزَّكَاة من سَأَلَهَا على وَجههَا فليعطها وَمن سَأَلَهَا على غير وَجههَا فَلَا يُعْطهَا) وَهَذَا خبر ثَابت روينَاهُ من طَرِيق الثِّقَات عَن أنس بن مَالك عَن أبي بكر الصّديق عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهذَا يبطل تَأْوِيل من تَأْول أَحَادِيث الْقِتَال عَن المَال على اللُّصُوص لَا يطْلبُونَ الزَّكَاة وَإِنَّمَا يَطْلُبهُ السُّلْطَان فاقتصر عَلَيْهِ السَّلَام مَعهَا إِذا سَأَلَهَا على غير مَا أَمر بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام وَلَو اجْتمع أهل الْحق مَا قاواهم أهل الْبَاطِل نسْأَل الله المعونة والتوفيق.