تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذَهَبت طوائف من أهل السّنة وَجَمِيع المُعْتَزلَة وَجَمِيع الْخَوَارِج والزيدية إِلَى أَن سلّ السيوف فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب إِذا لم يُمكن دفع الْمُنكر إِلَّا بذلك. قَالُوا: فَإِذا كَانَ أهل الْحق فِي عِصَابَة يُمكنهُم الدّفع وَلَا ييئسون من الظفر فَفرض عَلَيْهِم ذَلِك وَإِن كَانُوا فِي عدد لَا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كَانُوا فِي سَعَة من ترك التَّغْيِير بِالْيَدِ، وَهَذَا قَول: عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وكل من مَعَه من الصَّحَابَة، وَقَول أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وكل من كَانَ مَعَهم من الصَّحَابَة، وَقَول مُعَاوِيَة، وَعَمْرو، والنعمان بن بشير وَغَيرهم مِمَّن مَعَهم من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ، وَهُوَ قَول عبدالله بن الزبير، وَمُحَمّد، وَالحسن بن عَليّ وَبَقِيَّة الصَّحَابَة من المُهَاجِرين وَالْأَنْصَار والقائمين يَوْم الحرَّة رَضِي الله عَن جَمِيعهم أَجْمَعِينَ، وَقَول كل من أَقَامَ على الْفَاسِق الْحجَّاج وَمن وَالَاهُ من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم جَمِيعهم كأنس بن مَالك وكل من كَانَ مِمَّن ذكرنَا من أفاضل التَّابِعين: كَعبدالرَّحْمَن ابن أبي ليلى، وَسَعِيد بن جُبَير، وَابْن البحتري الطَّائِي، وَعَطَاء السّلمِيّ الْأَزْدِيّ، وَالحسن الْبَصْرِيّ، وَمَالك بن دِينَار، وَمُسلم بن يسار، وَأبي الجوْزاء، وَالشعْبِيّ، وَعبدالله بن غَالب، وَعقبَة بن عبدالغافر، وَعقبَة بن صهْبَان، وماهان، والمطرّف بن المُغيرَة بن شُعْبَة، وحَنْظَلَة بن عبدالله، وَأبي شيخ الهُنائِي، وطلق بن حبيب، والمطرف بن عبدالله بن الشّخير، والنضر بن أنس، وَعَطَاء بن السَّائِب، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد التَّيْمِيّ، وجبلة بن زحر، وَغَيرهم، ثمَّ من بعد هَؤُلَاءِ من تَابِعِيّ التَّابِعين وَمن بعدهمْ كَعبدالله بن عبدالْعَزِيز بن عبدالله بن عمر، وكعبدالله بن عمر، ومُحَمّد بن عجلَان، وَمن خرج مَعَ مُحَمَّد بن عبدالله بن الحسن، وهاشِم بن بشر، ومطر، وَمن خرج مَعَ إِبْرَاهِيم بن عبدالله، وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ أَقْوَال الْفُقَهَاء كَأبي حنيفَة، وَالحسن بن حيّ، وَشريك، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَدَاوُد، وأصحابهم، فَإِن كل من ذكرنَا من قديم وَحَدِيث إِمَّا نَاطِق بذلك فِي فتواه وَإِمَّا الْفَاعِل لذَلِك بسل سَيْفه فِي إِنْكَار مَا رَآهُ مُنْكراً".

قالَ ابن حزم: "احتجت الطَّائِفَة المَذْكُورَة أَولا بِأَحَادِيث فِيهَا: (أنقاتلهم يَا رَسُول الله؟ قالَ: لَا، مَا صلوا)، وَفِي بَعْضهَا: (إِلَّا أَن نر كفراً بواحاً عنْدكُمْ فِيهِ من الله برهَان)، وَفِي بَعْضهَا وجوب الضَّرْب: (وَإِن ضرب ظهر أَحَدنَا وَأخذ مَاله)، وَفِي بَعْضهَا: (فَإِن خشيت أَن يسهرك شُعَاع السَّيْف فاطرح ثَوْبك على وَجهك، وَقل إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار)، وَفِي بَعْضهَا: (كن عبد الله المَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل)، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واتل عَلَيْهِم نبأ ابْني آدم بِالْحَقِّ إِذْ قربا قرباناً فَتقبل من أَحدهمَا وَلم يتَقَبَّل من الآخر﴾ الْآيَة.

وكل هَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لما قد تقصيناه غَايَة التَّقَصِّي خَبراً خَبراً بأسانيدها ومعانيها فِي كتَابنَا الموسوم بالإيصال إِلَى فهم معرفَة الخِصَال، وَنَذْكُر مِنْهُ إِن شَاءَ الله هَاهُنَا جملاً كَافِيَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد:

أما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَق وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ وَإِن امْتنع من ذَلِك بل من ضرب رقبته إِن وَجب عَلَيْهِ فَهُوَ فَاسق عَاص لله تَعَالَى، وَإِمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَأْمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصبرِ على ذَلِك، برهَان هَذَا قَول الله عز وَجل ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾، وَقد علمنَا أَن كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُخَالف كَلَام ربه تَعَالَى. قَالَ الله عز وَجل ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فصح أَن كل مَا قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ وَحي من عِنْد الله عز وَجل وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ وَلَا تعَارض وَلَا تنَاقض، فَإِذا كَانَ هَذَا كَذَلِك فيقين لَا شكّ فِيهِ يدْرِي كل مُسلم أَن أَخذ مَال مُسلم أَو ذمِّي بِغَيْر حق وَضرب ظَهره بِغَيْر حق إِثْم وعدوان وَحرَام. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم) فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا وَلَا اخْتِلَاف من أحد من الْمُسلمين فالمسلم مَاله للأخذ ظلماً وظهره للضرب ظلماً وَهُوَ يقدر على الِامْتِنَاع من ذَلِك بِأَيّ وَجه أمكنه معاون لظالمه على الْإِثْم والعدوان وَهَذَا حرَام بِنَصّ الْقُرْآن.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣٠٨