تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زال الأدعياء أفراخ هؤلاء يقفون في وجه كل من عارضهم، وينسبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً، وهو لم يقله ولم يتفوه به بأبي هو وأمي.

ويجب أن نتنبه إلى مسألة مهمة وهي «الألفاظ التي تأتي في بعض الأحاديث» كـ «الأمير» و «الإمارة» و «الأمراء» و «الاستعمال» وغير ذلك كألفاظ «الجور» وما يشتق منه، فإن هذه الألفاظ يجب أن تحرر وتوضع في مكانها المناسب من خلال النص النبوي، بحيث لا تعمم هذه الألفاظ الواردة في بعض الأحاديث في مسائل خاصة، وتسحب على كل زمان ومكان.

وكذلك التوسع في مسألة المفاسد والمصالح والمآلات عند بعض أهل العلم، فإن التوسع فيها يؤدي إلى نتائج عكسية وجنايات على النصوص النبوية.

وما جاءنا البلاء إلا من بعض الشروحات المتأخرة التي بدأت في عصرٍ سيطر فيه مذهب المتكلمين على عقل الأمة فدمره فتأخرنا وتخلفنا عن ركب التقدم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهذا لا يعني أننا نرفض هذه الشروح برمتها، بل ننبه إلى أنه دخلها ما دخلها بسبب تعاطي علم الكلام وتسلّط الأمراء.

ومع ذلك فإن كثيراً من طلبة العلم عندما يستشهدون بأقوال هؤلاء الشرّاح إنما يأخذون منه ما يؤيد مذاهبهم دون النظر في مجمل كلامهم.

وليعلم أنه لا بدّ من وجود خليفة للمسلمين ويجب طاعته ما دام يحكم الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا طاعة لهم في معصية الله ومخالفة الكتاب والسنة، وعلى هذا إجماع الأمة.

ولا يجوز الخروج على ولي الأمر الذي وصل إلى الحكم بطريق شرعيّ ما دام يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو جار في بعض الأمور، وعلى هذا تُحمل الأحاديث في السمع والطاعة.

والأمة منذ عصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم كانوا يحكمون بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن تخلل ذلك بعض المخالفات من بعضهم، ولكن كان الدستور هو كتاب الله لا محيد عنه.

أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبدالله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل»، قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه، قال: «دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثم يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ في نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قد سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌإحدى يديه - أو قال: ثدييه - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أو قال: مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ».

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَ".

قال الحافظ في «الفتح» (12/ 301): "وفيه جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد، ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، وأما من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور؛ ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته ... وقد أخرج الطبري بسندٍ صحيحٍ عن عبدالله بن الحارث عن رجلٍ من بني نضر عن علي - وذكر الخوارج – فقال: إن خالفوا إماماً عدلاً فقاتلوهم، وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم؛ فإن لهم مقالاً. قلت: وعلى ذلك يُحمل ما وقع للحسين بن عليّ ثم لأهل المدينة في الحرة ثم لعبدالله بن الزبير ثم للقرّاء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث، والله أعلم".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٢٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٢٩٧