وفي النفس من أن الذي حدث في رواية بكير أنه قد يكون حصل تحريف في كتابه، فأصل الرواية عند الشاميين: "تؤمروا" أو "تؤمر"، فيحتمل أن هذه تحرّفت إلى: "تروا" أو "ترى"، والله أعلم.
وهذه الزيادة في هذا الحديث من الوهم في روايات الأمصار! فإن كانت محفوظة في حديث المصريين والمدنيين فالأقرب أنها من قول عبادة ليست مرفوعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولفظ الشاميين أقرب للصواب، فيكون عبادة أوصى جنادة بما عليه من السمع والطاعة إلا إذا أُمر بمعصية أو كفر براح مخالف لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة أنه لا طاعة في معصية.
وهذه الزيادة المختلف فيها لا توجد في حديث الوليد بن عبادة عن أبيه، ولا يوجد خلاف في حديثه، وعنده: « ... وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ».
فهذا النّص هو الصواب، وكأن ما جاء في الرواية عن جنادة تحريف لهذا النص! ولهذا اختلفوا فيه، ومن هنا أشار سفيان إلى أن بعضهم زاد «مَا لَمْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا» دون تعيينه! كما سيأتي.
فقول الحقّ كان من شروط البيعة، وهذه الزيادة لا تتفق مع ذلك إذ قول الحقّ يكون عند الكفر البواح وغيره، ولا يقتصر على الكفر فقط!
· إشارة سفيان بن عيينة إلى ضعف هذه الزيادة:
وقد مر معنا عند الحديث عن حديث عبادة بن الوليد، رواية ابن عيينة التي أخرجها الإمام أحمد في «مسنده» (1/ 192) قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الْوَلِيدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: سَمِعَهُ مِنْ جَدِّهِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَعُبَادَةُ نَقِيبٌ وَهُوَ مِنْ السَّبْعَةِ– «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي العُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَلا نُنَازِعُ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، نَقُولُ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لانَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ».
قَالَ سُفْيَانُ:"زَادَ بَعْضُ النَّاسِ: مَا لَمْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا".
قلت: فقول سفيان هذا إشارة إلى تضعيفه لهذه الزيادة، فهو يعرف أن بعض أهل المدينة رووا هذه الزيادة في حديث بكير بن الأشج، فأشار – رحمه الله – إلى تعليلها؛ لأن المحفوظ هو ما في حديث عبادة بن الوليد.
· كيف يُخرِّج البخاري ومسلم بعض الزيادات المنكرة؟!
وقد يُقال: كيف تضعف رواية أخرجها البخاري ومسلم وقد اتفقا عليها؟
فأقول: لقد اجتهد الإمام البخاري – رحمه الله – فأخرجها؛ لأن الحديث مشهور ومعروف، وهو عادة يُخرِّج الحديث الذي يوافق تبويبه وإن كان فيه بعض الألفاظ التي لا تؤثر في استدلاله، وهي شاذة عند غيره، والله أعلم.
وأما الإمام مسلم فإنه ساق أولاً عدة روايات من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبي عن جدّه، ثم ساق رواية بكير التي فيها الزيادة متابعة لأصل الروايات التي ساقها في الأصول، وهي رواية صحيحة لا شك، ولكن الزيادة منكرة، فربما أراد – رحمه الله – أن يبين أن هناك زيادة في حديث جنادة على حديث الوليد بن عبادة، والله أعلم.
· تقييد السمع والطاعة بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:
وبعد؛ فلا أدري كيف أخذ العلماء – رحمهم الله – هذه الزيادات في هذه الأحاديث وجعلوها مسلّمة وبنوا عليها بنياناً هشّاً ضعيفاً أوهى من بيت العنكبوت، فحاربوا كلّ من لم يحتج بها، وما درى هؤلاء أنهم دخلوا في باب الإرجاء الذي سوّغ لمن ولي أمراً من أمور هذه الأمة فعل الأفاعيل دون الاعتراض عليهم؛ لأن عندهم هذا الحديث وأمثاله الذي يوجب عليهم الطاعة ولو فعلوا الأفاعيل، ولو أخذوا الأموال وجلدوا الظهور!!