قلت: لم يتعرض عليّ – رضي الله عنه –، ولا ابن حجر ولا غيرهما لمسألة الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا لو أن الحاكم لم يحكم بهما فهذا أمره معروف أنه يجب أن يقاتل، وهذا لم يكن ببالهم أصلاً، ولو أنه حصل أو خطر ببالهم لما تأخروا في القول بوجوب الخروج عليه.
والنظر إلى الحجاج من باب أنه كان جائراً لا أنه كان كافراً، وإن كفره بعض أهل العلم، ولكن الأمر تعلّق بجوره لا بتحكيمه لكتاب الله أم لا!
فإذا كان الخروج على الإمام الجائر الذي يتخذ القرآن دستوراً ويحكم به عمّاله في الأمصار جائز عند السلف، فكيف بمن عطّل شرع الله، وحيّد القرآن والسنة، وقدّم عليهما القوانين البشرية؟!!
وقد يظن البعض بأن تضعيفنا لهذه الزيادة يعني أن الخروج على الحاكم لا يجوز البتة؛ لأن الخروج بحسبها مقيّد بظهور الكفر البواح منه، وبتضعيف هذه اللفظة، فلا يجوز الخروج أبداً!!
وهذا فهم سقيم عقيم! لأن التعامل مع الحديث يجب أن يكون بمجموع الروايات كلها، وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن السمع والطاعة للحاكم منوط بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما حصل من خروج من السلف على بعض الأمراء إنما كان من أجل الظلم والجور، لا من أجل عدم تحكيم كتاب الله، وهذا يدعم ما ذهبنا إليه من ضعف هذه الزيادة؛ لأنها لو صحت ما كان ينبغي لهؤلاء الذين خرجوا أن يخرجوا لأنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الخروج الذي تضمنته هذه الزيادة لن يحصل أبداً لوجود التأويل الذي يختلف فيه أهل العلم، وقد نصت الزيادة على أن يكون الكفر صريحاً!! وهذا لن يكون مع انتشار مذهب المرجئة الخبيث!!
· شرح ابن حجر لحديث عُبادة واعتماده على شرح من قبله، ومناقشته وغيره فيه.
قال الحافظ في «الفتح» (13/ 8): "قوله: (عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة): أَيْ لَهُ.
(فِي مَنْشَطِنَا): بِفَتْحِ الْمِيم وَالْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون بَيْنَهُمَا. (وَمَكْرَهِنَا) أَيْ فِي حَالَة نَشَاطنَا وَفِي الْحَالَة الَّتِي نَكُون فِيهَا عَاجِزِينَ عَنْ الْعَمَل بِمَا نُؤْمَر بِهِ. وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَاد الْأَشْيَاء الَّتِي يَكْرَهُونَهَا، قَالَ اِبْن التِّين: وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ فِي وَقْت الْكَسَل وَالْمَشَقَّة فِي الْخُرُوج لِيُطَابِقَ قَوْله مَنْشَطنَا. قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عُبَيْد بْن رِفَاعَة عَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ أَحْمَد "فِي النَّشَاط وَالْكَسَل".
قَوْله: (وَعُسْرنَا وَيُسْرنَا) فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيلَ بْن عُبَيْد: "وَعَلَى النَّفَقَة فِي الْعُسْر وَالْيُسْرِ"، وَزَادَ: "وَعَلَى الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ".
قَوْله: (وَأَثَرَة عَلَيْنَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمُثَلَّثَة، وَالْمُرَاد أَنَّ طَوَاعِيَتهمْ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ لَا تَتَوَقَّف عَلَى إِيصَالهمْ حُقُوقهمْ بَلْ عَلَيْهِمْ الطَّاعَة وَلَوْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ.
قَوْله: (وَأَنْ لا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله) أَيْ الْمُلْك وَالْإِمَارَة، زَادَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن هَانِئ عَنْ جُنَادَةَ: "وَإِنْ رَأَيْت أَنَّ لَك" - أَيْ وَإِنْ اِعْتَقَدْت أَنَّ لَك - فِي الْأَمْر حَقًّا فَلَا تَعْمَل بِذَلِكَ الظَّنّ بَلْ اِسْمَعْ وَأَطِعْ إِلَى أَنْ يَصِل إِلَيْك بِغَيْرِ خُرُوج عَنْ الطَّاعَة، زَادَ فِي رِوَايَة حِبَّان أَبِي النَّضْر عَنْ جُنَادَةَ عِنْدَ اِبْن حِبَّانَ وَأَحْمَد: "وَإِنْ أَكَلُوا مَالَك وَضَرَبُوا ظَهْرَك"، وَزَادَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: "وَأَنْ نَقُوم بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم".