قلت: كثير من الزيادات المنكرة التي لا تصح في الأحاديث المسندة تكون في مثل هذه المراسيل، ومن هذه المراسيل تدخل على بعض الأسانيد الصحيحة.
والخلاصة أن الرواية عن جُنادة بن أبي أمية عن عبادة فيها خلاف في ألفاظها:
فرواية بُكير الأشج عن بسر بن سعيد عن جنادة عن عبادة:
رواها عنه أهل مصر بلفظ: «وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ؛ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».
ورواها أهل المدينة بلفظ: «وأن لا تنازع الأمر أهله؛ إلا أن ترى كفراً براحاً».
وخالفهم أهل الشام في لفظها:
فرواها حيّان أبو النّضر عن جنادة عن عبادة بلفظ: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك».
ورواها عُمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة بلفظ: «ولا تنازع الأمر أهله؛ وإن رأيت أن لك».
ورواها مجاهد عن جنادة عن عبادة بلفظ: «وألا تنازع الأمر أهله؛ إلا أن تؤمر بمعصية الله براحاً، فإن أمرت بخلاف ما في كتاب الله فاتبع كتاب الله».
ورواها يحيى بن أبي كثير عن جنادة عن عبادة بلفظ: «وأن لا تنازع الأمر أهله؛ إلا أن يأمروك بالكفر صراحاً».
قلت: رواية أهل الشام أولى بجنادة بن أمية؛ لأنه شامي، سيما وأن رواية أهل الشام تناقض رواية المصريين والمدنيين؛ فهؤلاء جعلوا رؤية هذا الأمر (الكفر أو المعصية) متعلق بالرعية، أي إذا رأى الرعية منه كفراً بواحاً!
وأما روايات أهل الشام فجعلوها متعلقة بولي الأمر، أي إذا أمرك ولي الأمر بفعل معصية لله!!
وقد يفهم البعض أنه لا خلاف بين اللفظين؛ لأن كل ذلك يرجع إلى ولي الأمر، سواءً ما يُرى منه أم ما يأمر به، وفيه نظر، سيما إذا استطعنا ترجيح لفظ على آخر بالأدلة.
والذي يترجّح على قواعد الأئمة النقاد روايات أهل الشام، وقد بينت العلل في ألفاظها، والصواب ما جاء فيها موافق لرواية الوليد بن عبادة عن أبيه، وأقربها رواية عمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة. وترجيحنا لرواية أهل الشام على غيرها لا يعني تصحيحها، كيف ذلك، وهي منكرة!
فلا تصح أي زيادة على حديث الوليد بن عبادة؛ لأن هذه الزيادات منكرة وهي تخدم الحالة السياسية التي كانت سائدة في الشام. ولهذا لم تظهر هذه الزيادة إلا في تلك الأوقات، وإلا فقد حصل هناك اقتتال كثير على الخلافة بعد وفاة عبادة بن الصامت صاحب هذا الحديث الذي توفي سنة (34 هـ)، وكانت بداية الفتن بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه – الذي قتل سنة (35 هـ)، وصار اقتتال بعد ذلك بين علي – رضي الله عنه – والخوارج، ولم يعرف الناس هذه الزيادة في تلك المرحلة، وإنما ظهرت وأمثالها في أيام معاوية وما بعدها.
فيبقى الحديث الصحيح دون زيادة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تنازع الأمر أهله»، أي عدم منازعته صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ولا يتفق ذكر «الكفر البواح» مع شروط البيعة إذ المُبايَع هو النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يخرج منه الكفر!!! فهم يبايعونه على السمع والطاعة وأن لا ينازعوه في الأمر، فكيف يقول: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»!!! وهل يخرج الكفر ممن جاء يحاربه ويدعو للتوحيد!!
والزيادة التي في حديث ابن وهب: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» قد بينا فيما مضى أنها جاءت في الرواية مفصولة عن الحديث كما هو في حديث الوليد بن عبادة، وهذا يؤيد أنها ليست في أصل حديث جنادة، والله أعلم.
وعبادة بن الصامت – رضي الله عنه - شهد البيعتين بالعقبة الأولى والثانية، فالبيعة الأولى بالعقبة، بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم بيعة النساء إلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن يقولوا بالحق لا تأخذهم لومة لائم، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، والبيعة الثانية بالعقبة على حرب الأحمر والأسود، وضمن لهم بالوفاء بذلك الجنة.