تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا الحسن البصري الحافظ المحدث الفقيه مات سنة (110 هـ) روى عن خلقٍ من الصحابة، وخلقٍ من التابعين، ولولا أنه تلقّى هذه الفتوى منهم لما صرّح بها، بل سياق كلامه يدلّ على أن هذا هو المعمول به دون إنكار، فهو إنما قاس مسألة قضاء المغمى عليه الصيام على قضاء الحائض لذلك، وكأنه مشهور ومعروف عندهم.

رابعاً: ما ذكره البخاريّ عن أبي الزِّنَادِ عَبْداللهِ بن ذَكْوَانَ القُرَشِيّ المَدَنِيّ.

بوّب البخاري في "صحيحه" (3/ 35): "بَابٌ: الحَائِضُ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: "إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلاَفِ الرَّأْيِ، فَمَا يَجِدُ المُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ".

ثم ساق حديث عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ، فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا».

قلت: ذهب البخاري إلى أن الحائض لا تصوم ولا تصلي، وقد بوّب على عدم قضاء الحائض للصلاة، لكنه لم يُشر إلى قضائها للصوم إلا في هذا الموضع.

فالذي يُفهم من تصرف الإمام البخاري بعد أن ذكر ترك الحائض للصلاة والصوم، وإتيانه بقول أبي الزناد: أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؛ لأنه لم يصح عنده حديث في ذلك، فناسب أن يذكر قول أبي الزناد للإشارة إلى أن حكم قضاء الحائض للصوم ثابت وإن لم يرد فيه أيّ حديث صحيح؛ فكأنه أراد أن يُبيّن أن ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من أن الحائض لا تصوم ولا تصلي وهذا من نقصان دينها مسألة، ومسألة القضاء مسألة أخرى فيما يتعلق بقضاء الصوم.

فكأنه يردّ بهذا على من يريد أن يستدل بحديث أبي سعيد على عدم قضاء الحائض الصوم لمساواة ذلك بالصلاة.

وأبو الزِّنَادِ إِمَام، فَقِيْه، حَافِظ، مُفْتِي، مات سنة (130 هـ)، وقد سمع من كبار التابعين.

قالَ الزَّيْنُ ابنُ المُنِيرِ: "نَظَرَ أَبُو الزِّنَادِ إِلَى الحَيْضِ فَوَجَدَهُ مَانِعًا مِنْ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ وَمَا سَلَبَ الْأَهْلِيَّةَ اسْتَحَالَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهِ خِطَابُ الِاقْتِضَاءِ، وَمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِعْلِ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فَلِذَلِكَ اسْتَبْعَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَأَحَالَ بِذَلِكَ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالتَّعَبُّدِ الْمَحْضِ".

قال ابن حجر: "وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الحَيْضِ سُؤَالُ مُعَاذَةَ مِنْ عَائِشَةَ عَنِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ السُّؤَالَ وَخَشِيَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ تَلَقَّنَتْهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاعْتِرَاضِ السُّنَنِ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ تَزِدْهَا عَلَى الْحَوَالَةِ عَلَى النَّصِّ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَهَا دَعِي السُّؤَالَ عَنِ الْعِلَّةِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى الشَّارِعِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَاعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرُوهُ مِنَ الْفَرْقِ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ... وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ إِنَّ السُّنَنَ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَثِيرٌ" [فتح الباري 4/ 192].

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٢٨٤