تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو هنا ينقل بأنه قد تغيّر، مع قلة حديثه، فكيف يُحتج بحديثه الذي لا يُحفظ إلا من طريقه.

والظاهر أن عبيدة أخطأ في هذا الحديث مما يدلّ على تغيّره.

فالحديث كما سبق رواه عنه: عَلِيّ بن مُسْهِرٍ وعَبْداللَّهِ بن نُمَيْرٍ، وفيه "ذكر قضاء الصيام"، لكن رواه عنه يَعلى بن عُبيد الطنافسي ولم يذكر ذلك، وذكر فيه الصلاة فقط.

رواه الدارمي في "سننه" (1/ 674) (1019) قال: أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ مُعَتِّبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَأْمُرُ امْرَأَةً مِنَّا بِرَدِّ الصَّلَاةِ».

قلت: فهذا يدلّ على أن عبيدة كان يضطرب فيه، وذكره لقضاء الصوم إنما هو لانتشار هذا الحكم عندهم بقرنه مع الصلاة.

وأصل الحديث عن إبراهيم أنه مرسل، وقد وهم عبيدة في رفعه أيضاً.

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 124) (7240) عن حُمَيْد بن عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «كُنَّا بَنَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجُهُ يَحِضْنَ، فَيَأْمُرُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ، وَلَا يَأْمُرُهُنَّ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».

وهذا من مراسيل إبراهيم النخعي.

والخلاصة أنه لم يصح أيّ حديث في ذكر قضاء الحائض الصوم!

لكن نقل أهل العلم الإجماع على قضاء الحائض الصوم، وعليه بوّب أئمة الحديث بعض الأبواب في كتبهم، ولا يوجد من خالف ذلك، وهناك بعض القرائن التي تدلّ عليه.

ومن ذلك:

أولاً: ما نقله الإمام الحافظ الفقيه محمد بن شهاب الزهري من الإجماع على ذلك مع تصريحه بعدم وجود إسناد لذلك.

روى عبدالرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 332) (1280) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنه قَالَ: «الحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ»، قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: «هَذَا مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَجِدُ الْإِسْنَادَ».

فالزهري إمام زمانه توفي سنة (124 هـ)، وقد عاصر بعض الصحابة وسمع من بعضهم، ونقله لهذا الإجماع في حقيقته نقل لما كان عليه النّاس زمن الصحابة والتابعين.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَانَ عَامًّا فِي أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرِ الْحَائِضَ بِقَضَاءِ صَلَاةٍ، وَعَامًّا أَنَّهَا أُمِرَتْ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ". [معرفة السنن والآثار: 6/ 284].

وقال الترمذي في "جامعه" (1/ 193) بعد أن خرّج حديث معاذة عن عائشة: "وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الحَائِضَ لاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ".

ثانياً: ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 124) (7240) من طريق إِبْرَاهِيمَ النخعي، قَالَ: «كُنَّا بَنَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجُهُ يَحِضْنَ، فَيَأْمُرُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ، وَلَا يَأْمُرُهُنَّ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».

وإبراهيم النَّخعي الكوفي إمام حافظ وهو فقيه العراق، مات سنة (96 هـ) سمع خَاله الأسود بن يزيد، وَمَسْرُوْق، وَعَلْقَمَةَ بنِ قَيْس، وَعَبِيْدَة السَّلْمَانِيّ، وغيرهم من كبار التابعين. وإرساله لهذا يدلّ على انتشار هذا الأمر دون نكير.

ثالثاً: ما رُوي عن الحسن البصري في ذلك.

روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 71) (6597) عن حَفْص بن غِيَاثٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا يَقْضِي الصَّلَاةَ، كَمَا أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٢٨٣