خامساً: ما بوّب به أهل العلم في كتبهم.
بوّب الترمذي في "جامعه" (2/ 146): "بَابُ مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ الحَائِضِ الصِّيَامَ دُونَ الصَّلاَةِ".
وبوّب ابن ماجه في "سننه" (1/ 533): "بَابُ مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ"، ثم ذكر حديث عَائِشَة: «إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ».
وبوّب الدارمي في "سننه" (1/ 674): "بَابٌ فِي الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ".
وبوّب البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 460): "بَابُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ".
وبوّب في "السنن الصغير" (2/ 103): "بَابُ الْحَائِضِ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَضَتِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ".
وبوّب في "معرفة السنن والآثار" (6/ 284): "الحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ".
سادساً: ما رُوي عن عَائِشَةَ، قالت: «إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ».
أخرجه مالك في "الموطأ" "جَامِعُ قَضَاءِ الصِّيَامِ" (3/ 443) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
وأخرجه أبو داود في "سننه" (2/ 315) (2399) من طريق القعنبي، عن مالك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 342) (9725) عن حَفْص بن غياث. وعبدالرزاق في "مصنفه" (4/ 246) (7677) عَنِ سفيان الثَّوْرِيِّ. والبخاري في "صحيحه"، بَابٌ: مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ، (3/ 35) (1950)، ومسلم في "صحيحه" (2/ 802) (1146) من طريق زُهَيْر بن معاوية الجُعفيّ، كلهم (مالك وحفص والثوري وزهير) عن يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ، به.
وفي رواية زهير في آخره: "قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 533) (1669) عن عَلِيّ بن المُنْذِرِ، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، به.
وقد سبق جواب المعترضين في أن هذا الحديث لا دلالة فيه على قضاء الحائض للصوم، وأنّ عائشة لم تذكر أن القضاء كان بسبب الحيض! وعارضوه أيضاً بالآية في أن القضاء يكون لمن أفطر بسبب المرض أو السفر، ولم يذكر الحيض منها!!
قلت: لا وجه لهم في كلّ ما ذكروه! بل إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن القضاء للحائض، إذ أنّ هذا هو السبب الرئيس في إفطار المرأة في رمضان، والحيض يصيب النساء كلهنّ شهرياً، ويبعد أن يكون قصد عائشة أن ما عليها من الصيام بسبب المرض أو السفر لأن هذا نادر ولا يصيب كلّ النساء! بل إن كثيراً من النساء يمرضن في رمضان ولا يفطرن، وسفرهنّ يكون قليلاً.
وأما عدم ذكر ذلك في الآية، فإن الآية موجهة لجميع الأمة من رجال ونساء، وعذر النساء بالحيض مما تعمّ به البلوى فلا وجه لذكره هنا مع ما يصيب الرجال والنساء معاً من الأعذار المشتركة، فجاء حكم القضاء في نصّ آخر أخبرت عنه عائشة بقولها هذا، وهذا له نظائر كثيرة في السنة، تكون الآية عامة فيها حكم ما، وفي السنة حكم آخر مُخصص.
وكلام عائشة واضح في أن هذا مما يصيبها في كلّ رمضان وهو الحيض، إذ لو كان الأمر متعلق بالمرض أو السفر لقالت أنها لم تتمكن من قضاء الأيام التي مرضتها أو سافرتها إلا في شعبان.
والخلاصة أنه لم يصح أيّ حديث في قضاء الحائض للصوم! لكن هناك إجماع على القضاء نقله الزهري، وذكره الحسن البصري وأبو الزناد وهم من كبار الفقهاء الثقات من الأئمة المتقدمين، ولا ينقلون حكماً كهذا إلا إذا كان معمولاً به دون نكير، ومأخوذاً عن الصحابة الذين أخذوا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.