فالحكم عندهم معروف ومجمع عليه كما سيأتي بيانه، والضعيف أحياناً يكون لحكم مجمع عليه لكن ليس في إسناد، فيدخل في بعض الأحاديث التي تشبهه كالنظائر.
وهنا الأحاديث الصحيحة تتكلم على عدم قضاء الحائض للصلاة، والصوم قرين ذلك لأنها تتركه أيضاً وهي حائض، فوهم بعض الرواة وذكروا الحكم في الحديث.
وهذا ما يُعبر عنه الترمذي عندما يخرّج الحديث الضعيف في "جامعه" ثم ينصّ على ضعفه، ثم يقول: "والعمل عليه عند أهل العلم".
والعمل ليس على الضعيف ابتداء، وإنما العلماء يعملون بالحكم دون وجود الإسناد لتواتر ذلك عندهم، وجاء الحديث الضعيف بعد ذلك مطابقاً للعمل مع ضعفه.
ومعمر يَعرف أنه لا يوجد إسناد لهذا الحكم المجمع عليه. فقد روى عبدالرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 332) (1280) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنه قَالَ: «الحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ»، قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: «هَذَا مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَجِدُ الْإِسْنَادَ».
فالزهريّ لما ذكر حكم المسألة في أن الحائض تقضي الصوم سأله معمر عن إسناد هذا الحكم؟ فقال له بأن هناك أشياء قد اجتمع الناس على العمل بها، ولا يوجد فيها إسناد؛ لأنها لا تحتاج لذلك سيما في زمن الصحابة والتابعين؛ لأن الأحكام منتشرة بينهم.
ومن احتج بالحديث احتج بتصحيح الإمام مسلم له؛ لأنه أخرجه في "صحيحه"، ولولا صحته لما أودعه في صحيحه!
وهذه مسألة مختلف فيها بين أهل العلم: هل كلّ ما في صحيح مسلم صحيح، أم أنه يودع فيه بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها؟!
فهناك من يرى أن كل ما في مسلم صحيح، وهناك من يرى أنه يورد الضعيف بناء على كلامه في مقدمة صحيحه أنه يورد العلل ويؤخرها في الباب!
وفي هذا الباب وهو ما يتعلق بقضاء المرأة الحائض للصلاة أورد الإمام مسلم أولاً حديث أَبِي قِلَابَةَ ويَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ، عن عائشة، في عدم قضاء الصلاة فقط، وليس فيه قضاء الصوم.
ثم ثنّى بحديث شعبة عن يزيد عن معاذة، في الصلاة فقط.
ثم ختم ذلك بحديث معمر عن عاصم عن معاذة، وفيه ذكر قضاء الصوم!
فعلى مذهب من يقول بأن مسلماً يُخرّج العلل في "صحيحه" فهذا منها؛ لأنه أخّرها في نهاية الباب، وهذا محتمل، والله أعلم. والمسألة لها ذيول كثيرة ليس هذا مكان تفصيلها.
والحديث معلول عندي لوجود قرائن تدلّ على ذلك.
ومَعمر له أحاديث عن عاصم بن أبي النَّجود الكوفي الضعيف، فيُحتمل أن الحديث عنه، وقد نُسب خطأ في الإسناد فقيل: عاصم الأحول، والله أعلم.
·…وهم آخر لمعمر في هذا الحديث!
لما أخرج عبدالرزاق هذا الحديث عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: «أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟» قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ: «قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».
قال عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
يعني أن معمراً حدّث به أيضاً عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة عن عائشة باللفظ نفسه. وهذه أيضاً زيادة في حديث أيوب عن أبي قلابة، وقد نصّ على ذلك أبو داود؛ فإنه أخرج حديث وهيب، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذة، أن امرأة سألت عائشة: أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ لقد «كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي، ولا نؤمر بالقضاء»، ثم أخرج من طريق عبدالله بن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن معاذة العدوية، عن عائشة، بهذا الحديث.