وَقَالَ مالك وإبراهيم بْن سَعْد وشعيب: الدؤلي، وَقَالَ مَعْمَر وابْن عيينة: الديلي.
وَقَالَ ابْن مسافر عَنِ ابن شهاب عن أبي سنان الدولي عَنِ ابْن عَبَّاس - فِي الحج. وَقَالَ عَبْد الجليل بْن حميد وسُلَيْمَان بْن كثير، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سنان الديلي – بِهِذا.
ويقَالَ الدؤلي من بني حنيفة، والديل من بني كنانة، وَقَالَ زيد بْن أسلم: نا أَبُو سنان يزيد بن أمية الدؤلي" انتهى.
قلت:
من خلال النظر في هذه الترجمة يتبيّن لنا أن البخاري أثبت سماعه من جابر وأبي هريرة وحسين بن علي، ثم ساق له حديثه عن أبي واقد يريد بذلك بيان أنه لم يسمع منه، ولهذا لم ينصّ على سماعه منه مع منْ أثبت سماعه منهم.
وعادة البخاري من خلال الاستقراء أنه إذا ذكر سماع الراوي من بعضهم، ثم جاء بحديث في الترجمة له عن راوٍ آخر لينبّه على أنه لم يسمع منه، وهو بذلك يُعلل الحديث الذي يسوقه في الترجمة بعدم السماع.
ولو ثبت عنده أنه سمع منه لكان هذا الحديث يصلح عنده في الشواهد؛ لسياقة طرفه «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ»!
فالبخاريّ يُعلل الأحاديث ويبين الانقطاع بين الرواة من خلال التراجم، وهذا يحتاج لمِراس في كلامه ومنهجه، وهو كما قال شيخه إسحاق بن راهويه لمّا صنَّف البخاريّ "تاريخه الكبير" أخذه فأدخله على عبدالله بن طاهر، فقال: "أيها الأمير ألا أريك سحراً؟ قَالَ: فنظر فيه عبدالله بن طاهر فتعجب منه، وَقَالَ: "لست أفهم تصنيفه".
قلت: صدق، والله .. فكتابه هذا كالسحر لا يفهمه أيّ واحد! ويحتاج أن نخرج هذا السحر منه .. فكلّ ما ألّف من رسائل علمية (ماجستير ودكتوراه) لم تف بما فيه! وإنما هي في أكثرها دراسات وَصْفية. رحم الله البخاري .. أيّ عقل كان يملك! وأيّ عبقرية كانت عنده!
فإيراده هذا الحديث في ترجمته من أجل تعليله؛ ولأنه لم يثبت سماع سنان من أبي واقد فهذه علّته.
ونُنبه هنا كذلك على إيهام الترمذي عندما صحح الحديث ثم قال: "وَفِي البَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ"!
فحديث ذات أنواط لا يُعرف من حديث أبي سعيد ولا حديث أبي هريرة، وإنما الذي يُعرف عنهما هو هذا الطرف فقط «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ»! فقوله هذا من باب الإيهام والتلبيس!!
ومما يؤيد القول بأن سنان بن أبي سنان لم يسمع من أبي واقد الليثي: أنه لم يرو هذا الحديث أحد من أصحاب أبي واقد! وكذلك جاور أبو واقد مكة ومات بها على رأي البخاري في خلافة معاوية بين سنة (40 – 50 هـ)، ولا نعرف لسنان رواية عن أهل مكة!
ومن الغريب أن الزهريّ يتفرد بالرواية عن سنان، ويروي أيضاً عن أبيه أبي سنان!
قال مسلم في "المنفردات والوحدان" (ص: 121) (234): "وَمِمَّنْ روى عَنهُ الزُّهْرِيّ مِمَّن لم يرو عَنهُ أحد سواهُ فِيمَا علمنَا ... وَسنَان بن أبي سِنَان الدؤَلِي ... ".
وقد ذكر البخاري في ترجمة سنان: "وَقَالَ ابْن مسافر عَنِ ابن شهاب عن أبي سنان الدؤلي عَنِ ابْن عَبَّاس - فِي الحج. وَقَالَ عَبْدالجليل بْن حميد وسُلَيْمَان بْن كثير، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سنان الديلي – بِهِذا".
قلت: يريد البخاري بيان الاختلاف في نسبتهم: الدؤلي أم الديلي؟! وكأن هذا الاختلاف من الزهري نفسه، فقد اختلف عليه الرواة في حديث سنان، وفي حديث أبي سنان!
وفي هذا إشارة أيضاً إلى أن سنان بن أبي سنان لم يسمع من الصحابة الذين كانوا في مكة كابن عبّاس (مات سنة 68 هـ بالطائف)، وإنما يروي والده عن ابن عباس.
وأبو سنان ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (8/ 320) فقال: "يَزِيدُ بنُ أُمَيَّةَ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ: سَمِعَ عَلِيًّا قَالَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ وَهُوَ يَقُولُ سَتُضْرَبُ ضَرْبَةً هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى صُدْغِهِ فَيَكُونُ أَشْقَاهَا كَمَا كَانَ عَاقِرُ النَّاقَةِ أَشْقَى ثَمُودَ. وقَالَ حسان عَنْ عَبْداللَّه السعدي.