ويعارض قول من قال إنه شهد بدراً ما ذكره الواقدي أنه مات سنة ثمان وستين، وله خمس وسبعون، فإنه يقتضي أنه ولد بعد وقعة بدر. وقيل: مات ابن خمس وسبعين سنة، فعلى هذا يكون في وقعة بدر ابن اثنتي عشرة سنة، وعلى هذا ينطبق قول أبي حسان الزيادي إنه ولد في السنة التي ولد فيها ابن عباس. ووافق أبو عمر على ما قال الواقدي، ثم قال: وقيل مات سنة خمس وثمانين، وبهذا الأخير جزم البغوي وآخرون. ونقل البخاري أنه مات في خلافة معاوية، وأخرج البخاري بسند حسنٍ عن إسحاق مولى محمد بن زياد أنه سمع أبا واقد يقول: رأيت الرجل من العدو يوم اليرموك يسقط فيموت. وأخرجه خليفة من هذا الوجه، فقال: إسحاق مولى زائدة، وزاد في آخره: حتى قلت في نفسي لو أن أضرب أحدهم بطرف ردائي مات.
قال ابن عساكر في إسناد ابن إسحاق: من لا يعرف. والصحيح ما قال الزهري، عن سنان. والقصة التي ذكرها ابن إسحاق إنما كانت لأبي واقد يوم اليرموك. كما تقدم."
قلت:
القصة التي رُويت يوم بدر من طريق أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار: حدثني رجال من بني مازن عن أبي واقد الليثي قال: "إني لأتبع يوم بدر رجلاً من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله".
قال ابن عساكر: "كذا في هذه الرواية وليست بمحفوظة، وفي إسنادها من يجهل، وإنما كان كذلك يوم اليرموك، وقد تقدم أنه أسلم يوم الفتح".
يقصد ما رواه ابن أبي خيثمة، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي: "أن أبا واقد الليثي أسلم يوم الفتح". [تاريخ دمشق: 67/ 277].
قلت: ما رواه الزهري هنا هو أصلاً مأخوذ من حديث ذات أنواط لأن فيه أنهم خرجوا لحنين بعد فتح مكة وكانوا حديثي عهد بجاهلية.
والقصة التي رواها ابن إسحاق وإن كان فيها "رجال من بني مازن" لم يسموا إلا أنها أقرب لأحداث غزوة بدر حيث رُويت بعض الأحاديث تؤيد قتال الملائكة في بدر.
وقصة اليرموك مختلفة قليلاً! وهي ما رواه محمد بن أبي نجيح: أخبرني إسحاق مولى زائدة: أخبرنا أبا واقد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره: أنه شهد اليرموك قال: "رأيت الرجل من العدو يسقط فيموت، فقلت في نفسي: لو أني أضرب أحدهم بطرف ردائي ظننت أنه سيموت".
ففي قصة بدر أنه كان يتبع الرجل فيهوي عليه بسيفه فيرى رأسه يسقط، يعني أن غيره سبقه إليه فقتله، وفي قصة اليرموك كان يرى الرجل من العدو يسقط وحده فيموت! ولم يأتنا في أي رواية في الكتب الحديثية أو كتب التاريخ أن هذا حصل يوم اليرموك وأن العدو كان يسقط وحده فيموت!!!
فالقصة ألصق ببدر لا باليرموك، والله أعلم.
·…تعليل أبي زُرعة لرواية ابن بُكير عن ابن إسحاق!
ثم تبيّن لي أن أبا زُرعة الرازي قد أعلّ رواية يونس بن بُكير عن ابن إسحاق وأن ذكر «أبي واقد» فيها خطأ!!
قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (6/ 478): وسمعتُ أَبَا زُرْعَةَ وَذَكَرَ حَدِيثًا حدَّثنا بِهِ عَنْ محمَّد بن عبدالله بْنِ نُمَير، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار؛ قَالَ: حدَّثني رجلٌ مِنْ بَنِي مازِن، عَنْ أَبِي واقِدٍ اللَّيثي؛ قَالَ: إِنِّي لأَتْبَعُ يَوْمَ بَدْر رَجُلا من المشركين لأضربَه فَوَقَعَ رأسُه قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فعرفتُ أنَّ غَيْرِي قَتَلَهُ.
فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "هَذَا عِنْدِي خطأٌ؛ والصَّحيحُ مَا حدَّثنا يوسفُ بنُ بُهْلول، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ بَنِي مازِن، عَنْ أَبِي دَاوُدَ المازِني - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا - قَالَ: إِنِّي لأتبعُ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... ".