ذكرتني يا هذا بذاك الطالب الذي جاء إلى شيخه، فقال له: يا شيخ: ما هو الكَموج؟ فاحتار الشيخ؛ لأنه لم يسمع بهذه الكلمة في العربية! فقال الشيخ للطالب: أين قرأت هذه الكلمة؟ فقال له: في قول الشاعر: (وليلٍ كَموجِ البحر أرخى سُدوله).
فقال الشيخ: "الكَموج يا بُنيّ: دابّةٌ تمشي على الأرض، تقرأ ما لا تفهم".
من هو الحسن بن عبدالله هذا يا هذا؟
أقول لك: ظاهر كلام البزار أنه مشهور في الرواة عن إبراهيم، ولهذا ذكره، ولو لم يكن معروفاً لما قال اسمه هكذا دون نسبة! وقد تحرّف اسمه من "عبيدالله" إلى "عبدالله".
وهو الحسن بن عُبيدالله النخعي الكوفي يكنى أبا عروة. قال ابن معين: "ثقة صالح". ووثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما. له قريب من ثلاثين حديثاً (ت 139 هـ).
لم يخرّج البخاري حديثه، وأخرج له مسلم أحاديث قليلة بعضها قد توبع عليها، وبعضها لها شواهد.
قال البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيدالله؛ لأن عامة حديثه مضطرب". وضعفه الدارقطني بالنسبة للأعمش فقال في العلل بعد أن ذكر حديثاً للحسن: "خالفه فيه الأعمش. الحسن ليس بالقوي، ولا يُقاس بالأعمش" (تهذيب التهذيب: 2/ 254).
قلت: فإذا كان لا يُقاس بالأعمش، والأعمش لا يقاس بمنصور، فكيف نعتمد عليه؟!
وعليه: فنطالب البزار برواية الحسن هذه! وهل لو كانت عنده أيعقل أن لا يرويها في كتابه؟ فكتابه في العلل، فلم لا يرويها؟ ولا تقل: كلامه حجة! ألا يُقال: ربما وهم في ذلك! ولن أخوض لك في شخصية البزار؛ لأني لو عرفتك أشياء لا تعرفها لربما أخرجتنا من الملة، والله المستعان!
فما ذكره البزار من حال هذه المتابعة لا يوجد حتى عنده، فكيف نعتبرها؟ وأنت ادعيت أن البزار وقف عليها، فقل لي أين؟ هذا كتابه في العلل معروف ومطبوع ونقل منه الأئمة قديماً وحديثاً، فلم ينقلوها لنا!!
وكلام مغلطاي هو الصواب، فإن فيما قاله البزار نظر! ولو أنك تعرف حقيقة كتب العلل لعرفت كيف يهم البزار في كتابه أحياناً!
وأهمس في أذنك وأقول لك: إن البزار قد وهم في قوله هذا! نعم، لن تسكت وسَترمينا بكل نقيصة! تتهم الأئمة بالأوهام!!
نعم، قد وهم؛ لأنه كان يصنّف في مصر من حفظه، وكان يستعير كتب الناس، ولهذا حَمَل عليه الإمام النسائي، والذي حصل له أنه دخل له متن في متن، فهذا الحديث يتعلق بالعشر من ذي الحجة، فدخل عليه حديث الحسن بن عبيدالله قال: سمعت إبراهيم يقول: سمعت الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها». وهذا أخرجه مسلم وغيره من حديث الحسن بن عبيدالله.
وَهَب أن هذه الرواية صحيحة ورواها فعلاً الحسن بن عبيدالله – لا عبدالله كما نقلت دون فهم وتبصّر- على فرض وجود هذه الشخصية الخيالية، فلا يقدّم هو والأعمش ولو اجتمعا على منصور في إبراهيم لكلام الأئمة لا لكلامي.
ثم كيف تنسب للبزار هذا الفهم الذي قلت فيه إنه عرف أنه لا يوجد طريق ثابت لم يختلف فيه إلا طريق الأعمش ومن تابعه، وأنه يوجد طرق أخرى عن غير الأعمش لكنها مختلفة مضطربة؟
والله لو قلنا نحن هذا الكلام لسددت علينا الطريق ولرميتنا بالمنجنيق. فها نحن فهمنا من كلام الدارقطني أنه يرجح الإرسال على الوصل، فرميتنا بكل عظيمة! وقصّرت أفهامنا! أما فهمك الآن هو المستقيم!!
البزار لم يفهم هذا الفهم، بل هو يعرف أن الاختلاف بين الأعمش ومنصور، وذكر أن هناك من تابع الأعمش عليه، لا أكثر ولا أقل على حدّ تعبيرك! ثم أين نجد ما نسبته أنه وجد طرقاً عن غير الأعمش لكنها مختلفة مضطربة؟ كفاك كذباً على الأئمة! فلا يوجد طرق غير طريق الأعمش إلا طريق منصور، والاختلاف فقط في الرواة عن الثوري، فأربأ بنفسك.
ثم ختم هذا (المسيكين) كلامه بقوله: "ثم أضيف وأقول: بأن عدم وضوح وبيان سلامة طريق الأعمش - وأنه طريقٌ من طرق رواية الحديث الصحيحة المعتبرة - لدى بعض طلبة العلم، وفهمهم الخاطئ لكلام الأئمة؛ هو الذي جعلهم يتكلفون البحث في مرويات الأئمة في الأعمش ومنصور، وأيهما مقدمٌ على الآخر، بل وصل الأمر عند البعض إلى التسفيه والاتهام والتقليل من شأن بعض الأئمة الكبار الأجلاء .. وما هذا إلا من القصور في الفهم وفي العلم .. نسأل الله العافية والسلامة".