قلت: فانظر رحمك الله إلى ما نقله هنا في منصور وأنه يقدم في إبراهيم مطلقاً - وإن لم يكن هنا ذكر لرواية الأعمش- فالله يرحمه فإنه كان يتساهل في بعض المواضع.
وما نقله هنا عن منصور مخالف لما نقله عن وكيع، فلم لم يورد ما ذكره عن وكيع هنا؟!
والذي جعلني أذكر لك هذه الرواية أيضاً أن هذا الحديث عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وهذا الإسناد مشهور، ومن هنا قلت: إن الأعمش سلك الجادة.
فإن كنت يا أخي لم تتشرب كيف كان أهل العلم يُعلّون الأحاديث فلا حرج عليك.
قال أبو بكر بن عياش عن مغيرة: "اختلف منصور إلى إبراهيم وهو من أعبد الناس فلما أخذ في الآثار فتر".
قلت: وهذا يعني تشبع منصور من إبراهيم فيما أسنده رحمه الله.
وقال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففي حديث الأعمش اضطراب كثير".
وما سبق من أقوال لأهل العلم كيحيى وغيره في تقديم منصور على الأعمش عند الاختلاف بينهما كما هو معلوم، وهذا الحديث يرجح فيه من خلال أقوالهم.
وبعد هذه الأقوال: ألا يمكننا القول بأن الأعمش وهم في حديثه! ونقدِّم عليه منصورا؟!
* وكان مما أغضب هذا الأخ - هداه الله - أني قلت له في نهاية كلامي: طالما أنك تسفه الناس ولا ترفع بهم رأساً وقد حزت العلم كله - ونحن نحاكمك إلى أقوالك - أسألك سؤال المتعلم:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوماً قالوا منصور أثبت في الزهري من مالك! قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري. هؤلاء جهال. منصور إذا نزل إلى المشائخ اضطرب".
فما معنى هذا الكلام؟ أليس منصورا عن الزهري من أصح الأسانيد أيها الشيخ الكريم؟
فما كان منه إلا أن غضب ورفض أن يرد عليّ لأن الأدب يتقاطر من بين أنامله، فالله حسيبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبعد أن حذفت إدارة ذلك المنتدى الموضوع برمته رجع هذا الأخ - هداه الله- إلى الموضع الأصلي لمناقشة الحديث فأملى كلاماً طويلاً فيه تعريض بنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد تكلّم بكلام عام في إيراد مسلم للحديث وأنه اشترط في مقدمة كتابه شروطاً لا يستهان بها ولا يتساهل، وأن التصدي للكلام على أحاديث في الصحيحين يعدّ عملية انتحارية، وأزبد وأرعد، وجشم وتجشأ من غير علم ولا دراية، ففاحت منه رائحة الحقد والحسد، ونسبنا إلى التهور والتعسف والعبث مما هو أولى به.
وحكمي في هؤلاء أن يعزروا لإقدامهم على الكلام في علم لا يعرفونه كالذي يتكلم في الطب وهو لا يحسن الكتابة والقراءة، ولكن هيهات، فإن الإنفلات ومحاربة أهل العلم جعلته وأمثاله يتكلمون بهذا العلم دون أن يجدوا من يعزرهم.
وفي كلامه العريض الذي ملأه بالتعريض لم يأت هذا الجاهل بشيء جديد كعادة غيره ممن يناقشون العبد الفقير - وأنا لا أدعي لنفسي العصمة، بل ولا أخرج عما أصله الأئمة-، وإن تبيّن لي خطأ ما ذهبت إليه بالدليل تراجعت.
يقول هذا المجهول: "أثبت أن فلاناً الراوي وهم وخلط في هذا الحديث معنا ثم تكلم، أما أن تصفه بالخلط والوهم جزافاً وتعميماً بناءً على وصفه بذلك من أحد الأئمة؛ فلا أنصفت ولا بررت، بل خرفت وتجنيت وتبليت".
أقول: هذا التعميم هو الأصل عند الأئمة النقاد، فمنصور مقدّم على الأعمش مطلقاً في إبراهيم، هذا منطوقها، وأما مفهومها فيصار إلى ترجيح رواية الأعمش إذا كان هناك قرينة تدل على ضبط الأعمش له، ووهم منصور. ولا يغرنك أيها الجاهل أنه لم يختلف على الأعمش، فهذا لا يعني أنه لم يهم فيه، بل هو في حفظه هكذا، وقدّمنا عليه منصور لأنه أثبت وأضبط في إبراهيم، وقلنا لك غير مرة أن الاختلاف ليس من منصور وإنما من الرواة عنه، وجماعة أصحابه رروه عنه على الصواب وهو الإرسال.
وأما ما نقلت عن الدارقطني في موضع آخر أن الاختلاف كان من منصور. قال الدارقطني في «العلل» (14/ 261) لما أن سئل عن حديث الأسود، عن عائشة قالت: ما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء إلا استنجى بالماء؟ فقال: "يرويه منصور، واخْتُلِفَ عَنْهُ: فَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَن مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عن عائشة.