وروى ابن حبان في "صحيحه" (4/ 288) عن الحسن بن سفيان قال: حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال: حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء».
فلعل متوهماً يقول: وهذه متابعة لرواية ابن ماجه! فأقول: هذه الرواية ليست بصواب، فإن يحيى اليربوعي هذا ليس بشيء.
قال المزي في "التحفة" (11/ 359): "وروى أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن عائشة - ولم يذكر فيه «الأسود» ".
وإبراهيم لم يسمع من عائشة.
قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص 9 - 10): سمعت أبي يقول: "لم يلق إبراهيم النخعي أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنساً ولم يسمع منه". قال: وقال أبو زرعة: "إن إبراهيم دخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها شيئاً".
وأبو الأحوص هو: سَلاَّم بن سُلَيْم الحنفيُّ الكوفيُّ، وهو ثقة، وله بعض الأخطاء في سعة حفظه واتقانه، وقد نقموا عليه حديثه: عن سماك، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا في الظروف ولا تسكروا». قال الإمام أحمد: "كان أبو الأحوص يُخطئ في هذا" [الميزان: 3/ 254].
والخلاصة: أن حديث إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ» معلول!
والصواب فيه: عن إبراهيم، قال: حُدّثت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم".
·…مناقشة حول هذا الحديث:
كان أحد الإخوة الفضلاء أرسل لي بريداً إلكترونياً - قديماً- يسألني عن هذا الحديث وأيهما نقدّم منصور أم الأعمش، فأرسلت له هذا الكلام الذي سطرته هنا بكامله، فقام الأخ - جزاه الله خيراً- بنشره في بعض المنتديات، فما كان من أحدهم ممن يُعرف بسوء أدبه إلا أن نصب نفسه محدثاً فرد على ما ذكرته باستهزاء وقلة أدب. فأرسلت للأخ ردّاً عليه قبل أن تحذف الإدارة هذا الموضوع.
* وكان هذا الذي له "من اسمه نصيب"! قد سأل من أين جئت بترجيح الدارقطني لرواية منصور؟ فقلت له: الدارقطني عندما يعلل في كتابه ليس من الضرورة أن ينص على ترجيحه، وإنما يمكن معرفة ذلك من خلال العرض في الكلام على الاختلاف في الروايات. وهذا لا يعرفه إلا من تشبع بكتابه العظيم "العلل" فقراءة الكتب تحتاج إلى مراس. مع ما يحيط الأمر من قرائن كمعرفة الدارقطني ترجيح رواية منصور وتقديمه على الأعمش وهذا هو حال كل الأئمة النقاد في هذا بخلاف وكيع الذي اعتمد قوله الترمذي. أيظن أن إمام العلل هذا لا يعرف أقوال النقاد في تقديم منصور على الأعمش؟
* وكان أيضاً استهزأ بقولي إن الأعمش خلط فيه وكأن الأرض انشقت لهذا الكلام! فقلت له: الخلط الذي أشرت إليه مستنده كلام أبي حاتم بتقديمه منصور على الأعمش وذلك أن الأعمش يدلس ويخلط، ومنصور لا يدلس ولا يخلط، فأيهما نرجح؟ وهل يخالف الدارقطني في ذلك يرحمك الله! والدارقطني عندما يعرض لهذه الاختلافات هو يوردها في كتاب اسمه «العلل» يعني أن في هذه الأحاديث التي يوردها علل أيها الكريم.
سئل رحمه الله في «العلل» (5/ 353) عن حديث مسروق عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم ما إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه»؟ فقال: "يرويه الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله مرفوعاً.
حدث به عنه: أبو معاوية والثوري وعبد الله بن داود وأبو حمزة السكري وأبو شهاب وابن نمير وأبو الأحوص ويحيى الأموي وجرير وابن عيينة ويعلى. - وقيل: عن وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، ولا يصح عمرو-. ورواه الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله، وعن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.