قلت: أما رواية الثوري عن الأعمش كما روى أصحاب الأعمش، فهذا رواه الثوري كما سمعه من الأعمش. فهو قد روى الحديث عن الأعمش وعن منصور.
قال ابن أبي حاتم: "ورواه الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم قال: حُدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم".
قلت: كذا! والأعمش لم يختلف عليه كما مرّ، ولم يروه مرسلاً كرواية منصور! فالجمع بين الأعمش ومنصور في هذه الرواية المرسلة لا يصح!
وقول الدارقطني عن رواية الأعمش إنه لم يختلف عليه، لا يُفهم منه أن الدارقطني يرجح روايته لعدم الاختلاف عليه كما فهمه بعض الجهّال! وغاية ما في الأمر أنه رحمه الله في عرضه للاختلاف في هذا الحديث بيّن أنه لا خلاف على الأعمش فيه بين أصحابه فكل أصحابه رووه عنه ولم يختلفوا، ولا كذلك منصور لم يختلف عليه أصحابه؛ وإنما الخلاف على الثوري بين أصحابه، ولعدم وجود الاختلاف بين أصحاب الأعمش فإن الوهم منه، ولو كان هناك اختلاف عليه لربما كان الوهم من بعضهم، وهذا معنى كلامه الدارقطني بأنه لم يختلف عليه، وهو الذي خالف منصوراً.
ورواية يزيد بن زريع وأبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، خالفهما علي بن الجعد وعبدالرزاق، فروياه عن الثوري عن منصور عن إبراهيم مرسلاً.
ورواية يزيد بن زريع هذه تفرد بها عبدالله بن محمد بن النعمان الأصبهاني عن محمد بن المنهال! وهي مخالفة لما رُوي عن يزيد بن زريع عن الثوري عن الأعمش، وتابعه عبدالرحمن بن مهدي - وهو من أوثق أصحاب الثوري- عن الثوري. فلو صحت رواية هذا الأصبهاني فلا تقف أمام رواية علي بن الجعد وعبدالرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم مرسلاً.
وقد قال الدارقطني "الغرائب والأفراد" [كما في الأطراف] (5/ 418) (5909): "حديث: (ما رأيت أو ما رؤي رسول الله صائماً في العشر قط). تفرد به عبدالله بن محمد بن النعمان الأصبهاني عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عنه - أي الأسود".
وأما رواية أبي أحمد الزبيري فلا يُعتد بها؛ لأن عبدالرزاق مثله في روايته عن الثوري، وقد خالفه هنا، وتابعه عليّ بن الجعد، فترجح روايتهما على رواية أبي أحمد.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وسئل عن أصحاب الثوري- فقال: "أما عبدالرزاق والفريابي وعبيدالله بن موسى وأبو أحمد الزبيري وأبو عاصم وقبيصة وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان قريباً بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي ووكيع وابن المبارك وأبي نُعيم".
وقال ابن نُمير: "أبو أحمد الزبيري صدوق في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري".
فهو ليس من طبقات الحفاظ عن الثوري. وكذلك فإن في روايته عن سفيان فيها خطأ كثير!
قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: "كان كثير الخطأ في حديث سفيان".
قلت: فلا يُحتج برواية أبي أحمد الزبيري هذه عن الثوري، ولا برواية يزيد بن زريع التي اختلف عليه فيها في مقابل رواية ابن الجعد وعبدالرزاق، فروايتهما عن الثوري هي الصواب كما صرّح بذلك الإمام الدارقطني -رحمه الله-!
ثالثاً: وأما رواية ابن ماجه التي اتكأ عليها الشيخ الألباني ومن تبعه في أصحية رواية الأعمش، وهي - كما في المطبوع-: ما رواه هنّاد بن السري، عن أبي الأَحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
فقد سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عنها، قال: "ورواه أبو الأحوص، فقال: عن منصور، عن إبراهيم عن عائشة؟ فقالا: "هذا خطأ".
قلت: في المطبوع من سنن ابن ماجه: "عن الأسود"، ولم يذكر أبو حاتم وأبو زرعة ذلك، وقد نصّ الترمذي على أن أبا الأحوص لم يذكر: "الأسود" - كما سبق نقله- وهذا هو الصحيح، وهذا يعني أن رواية ابن ماجه ليست بمتصلة كما زعم الشيخ الألباني، وهي خطأ؛ لأن أصحاب منصور قد خالفوا أبا الأحوص فلم يذكروا "عائشة"، ورواية الجماعة هي الصواب.