ويُروى أيضاً عن سعيد بن المسيّب مرسلاً.
رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (2/ 124) (2026) من طريق حَمَّاد بن سَلَمَة، عَنْ عَبْداللَّهِ بنِ مُحَمَّد بنِ عَقِيلٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّب: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي العَشْرِ وَابْتَاعَ أُضْحِيَتَهُ فليُمْسك عَنْ شَعْرِهِ، وَأَظْفَارِهِ"، قُلْتُ: فَالنِّسَاءُ؟ قَالَ: "أَمَّا النِّسَاءُ فَلا".
قلت: ابن عقيل سيء الحفظ، والحديث مرسل، فإن ضبطه ابن عقيل فيكون سعيد بن المسيب كان يرسله أيضاً، والله أعلم.
والخلاصة أن ما رُوي عن أم سلمة هو من قولها، وليس للمقيم الذي يريد أن يضحي، وإنما لمن أراد الحجّ، وكأن هذا هو أصل حديث أم سلمة الذي يرويه سعيد بن المسيّب، وهو من قولها ليس مرفوعاً، وقد أورده الحافظ ابن أبي شيبة في باب "مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ".
ويُحتمل أنه وقع تصحيف في الرواية المشهورة: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يضحي، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».
والصواب: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يحج، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».
تصحفت «يحج» إلى «يضحي»!
ثم انتشر هذا المفهوم فصارت الرواية في المضحي مطلقاً، ومن هنا جاءت روايات بعض الضعفاء: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ»!! والله أعلم.
·…فوائد البحث:
1 - الحديث رواه عَبْدالرَّحْمَنِ بن حُمَيْد بن عَبْدِالرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وعَمْرُو بنُ مُسْلِمِ بْنِ عمارة اللَّيْثِيُّ، كلاهما عن سَعِيد بن المُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».
وفي لفظ: «فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».
2 - الحديث رفعه سفيان بن عيينة، وقيل له: إن بعضهم لا يرفعه، فقال: "لكني أرفعه"!
وخالفه يحيى القطان وأنس بن عياض وعبدالله بن عامر الأسلمي فوقفوه على أم سلمة. ويحيى يُقدّم على ابن عيينة.
3 - اتفق مالك بن أنس ومحمد بن عمرو الليثي وسعيد بن أبي هلال في روايته عن عمرو بن مسلم الليثي عن سعيد بن المسيب مرفوعاً.
4 - كان مالك يرويه مرفوعاً، ثم صار يرويه موقوفاً؛ وهذه كانت عادته إذا لم يأخذ بالحديث، ثم حذفه من كتابه، وعليه فيكون قول الدارقطني: "والمحفوظ عن مالك موقوف"! ليس بصحيح.
5 - اختلف في اسم شيخ مالك، فقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: عمر بن مسلم، والراجح أنه: عمرو بن مسلم كما ترجم له كثير من أهل العلم فيمن اسمه "عمرو"، وأشاروا إلى الاختلاف.
6 - حصل هناك بعض الأوهام لابن معين وابن حبان نتيجة الخلط بين "عمرو بن مسلم" وجدّه: "ابن أكيمة" وهو: "عمارة بن أكيمة"، وذلك لأن الزهري يروي عن الجد لا الحفيد! والذي وثقه ابن معين هو الجد.
7 - نتيجة الخلط في اسمه خلط ابن حبان بين الجد والحفيد، فجعل الجد أخاً له فوهم، ولم يذكر أحد من أهل العلم أن لعمرو بن مسلم أخا.
8 - اختلف في اسم الجد، فقيل: عمارة، وقيل: عمار، وقيل: عامر. فذهب الذهلي أن المشهور هو "عمار"، وذهب البخاري وغيره: "عمارة".
9 - من وثق عمرو بن مسلم إنما وثقه بما قاله عنه ابن معين في رواية عباس الدوري، لكن الذي تبين أن ابن معين قال ذلك في الجد لا الحفيد.
10 - ما نقله المزي من أن ابن الجنيد نقل عن ابن معين أنه قال في عمرو بن مسلم: "لا بأس به"، وتبعه على ذلك محقق التهذيب د. بشار معروف، وهم!! فالذي قال فيه يحيى في سؤالات ابن الجنيد هو: "عمرو بن مسلم الجندي اليماني" الذي يروي عن طاوس.