تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: وهذا وهم من الحاكم من وجهين: الأول: أن مسلماً خرّجه، والثاني: أنه ليس على شرط البخاري.

قال الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 206): "وَوَهَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، فَرَوَاهُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".

وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/ 342): "وَاسْتَدْرَكَهُ الحَاكِمُ فَوَهَمَ".

وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (14/ 22): "هذا حَدِيثٌ قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا مِنْ أَوْجُهٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا غَلَطًا، وَأَوْدَعَهُ مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاجِ كِتَابَهُ".

وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/ 342): "وأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ".

قلت: وتعليل الدارقطني له نقله أيضاً ابن القيّم في "تهذيب السنن" (ص 1384) - وكأنه في بعض القطع المفقودة من مسند أم سلمة؛ لأنه ليس موجوداً في المطبوع من مسندها-.

قال الدارقطني: "ووقفه عبدالله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضمرة، عن عبدالرحمن بن حميد، عن سعيد.

ووقفه عقيل (!!) على سعيد، قوله.

ووقفه يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن سعيد، عن أم سلمة، قولها.

ووقفه ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، قولها.

ووقفه عبدالرحمن بن حرملة، وقتادة، وصالح بن [أبي] حسان، عن سعيد، قوله.

والمحفوظ عن مالك موقوف.

والصحيح عندي قول من وقفه".

قلت: كذا جاء في مطبوع كتاب ابن القيم: "ووقفه عقيل على سعيد"!! ولا يوجد من اسمه "عقيل" يروي عن سعيد بن المسيب! وأظنه "ابن عقيل"، وهو: "عبدالله بن محمد بن عقيل"، وستأتي روايته عن سعيد لكنها مرسلة، أرسلها سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

·…الخلاصة:

من خلال التخريج يتبيّن لنا أن هذا الحديث يرويه عن سعيد بن المسيب اثنان: عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، وعمرو بن مسلم الليثي.

أما حديث عبدالرحمن بن حميد: فيرويه عنه: سفيان بن عيينة، وأنس بن عياض، ويحيى القطان وعبدالله بن عامر الأسلمي.

أما ابن عيينة فقد رفعه، ووقفه أنس والقطان والأسلمي، والصواب رواية الجماعة عن حميد موقوفاً.

وقد تابعهم على الوقف: يزيد بن عبدالله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة.

وأما حديث عمرو بن مسلم: فيرويه عنه: مالك، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وسعيد بن أبي هلال، وكلهم رفعوه، إلا أن مالكاً كان يرفعه ثم وقفه ثم حذفه من كتابه ولم يأخذ به.

·…علّة الحديث الإسنادية:

والحديث صححه مسلم والترمذي والحاكم وغيرهم من المتأخرين والمعاصرين!

وأعلّه الدارقطني بالوقف على أم سلمة، وهذا هو الراجح؛ لأن عبدالرحمن بن حُميد قد وقفه في رواية أنس بن عياض ويحيى القطان والأسلمي، وخالف ابن عيينة فرفعه مع أن أصحابه قالوا له بأن غيره ممن رواه عن عبدالرحمن قد أوقفوه! فكأنه - رحمه الله - توهّم في ذلك؛ فقد كان يخطئ أحياناً فيرفع الموقوف.

ويحيى القطان عند أهل النقد يُقدّم على ابن عيينة وغيره عند الاختلاف.

قال الإمام أحمد: "لا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد". وقال أيضا: "ما رأيت في الحديث أثبت منه".

وسُئل أحمد بن حنبل: يحيى القطان، وابن المبارك إذا اختلفا في حديث، فقول من تقدم؟ فقال: "ليس نقدم نحن على يحيى أحداً".

وقال أبو حاتم الرازي: "إذا اختلف ابن المبارك ويحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة في حديث، آخذ بقول يحيى". [شرح علل الترمذي لابن رجب (1/ 465)].

فرواية يحيى القطان كافية في ترجيحها على رواية سفيان فكيف إذا توبع عليه، بل وتؤيده رواية يزيد بن عبدالله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها.

وإذا كان ذلك كذلك فإن رواية عمرو بن مسلم لا تقاوم رواية عبدالرحمن بن حميد، فإن عبدالرحمن ثقة مشهور، وعمرو هذا مستور الحال لم يوثقه أحد من أهل العلم، وما نُقل من توثيق يحيى بن معين له قد بينته سابقاً أن ذلك التوثيق كان في جدّه عمارة، وعلى فرض أن التوثيق من يحيى له، فهذا التوثيق فيه نظر! سيما وقد خولف في إسناده.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٢٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٢٢٧