قلت: كأنه يميل إلى تضعيف رواية محمد بن عمرو لاختلاف متنها! وأما ما ذكره من الاختلاف في الاسم فقد تقدّم الكلام عليه بإسهاب.
ومحمد بن عمرو بن علقمة رجل صدوق لكن حفظه ليس بذاك! فما توبع عليه يُقبل منه، وأصل الحديث قد توبع عليه، لكن ما ذكره عن سعيد بن المسيب في القصة لا يُتابع عليه، بل يُروى عن ابن المسيب خلافه.
قال يحيى القطان: "وأما محمد ابن عَمْرو فرجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث".
وَقَال أَبُو بكر بْن أَبي خيثمة: سئل يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو، فقال: "ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له، وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عَن أبي سلمة بالشيء من رأيه ثم يحدث بِهِ مرة أخرى عَن أبي سلمة عَن أبي هُرَيْرة".
وَقَال إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني: "ليس بقوي الحديث ويُشتهى حديثه".
وَقَال أَبُو حاتم: "صَالِح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ".
وَقَال النَّسَائي: "ليس به بأس". وَقَال في موضع آخر: "ثقة".
وَقَال أَبُو أَحْمَد بْن عدي: "لهُ حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد منهم ينفرد عَنْهُ بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض، ويروي عَنْهُ مالك غير حديث في الموطأ، وأرجو أنه لا بأس به".
وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات"، وَقَال: "كان يُخطئ".
وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 673): "شيخ مشهور، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة".
وأما حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ المصريّ:
فرواه مسلم في "صحيحه" (3/ 1566) قال: وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الجُنْدَعِيِّ: أَنَّ ابنَ المُسَيِّبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/ 335) (4436) عن مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ الحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن اللَّيْثُ، عن خَالِد، به.
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (23/ 266) (563) عن يَحْيَى بن عُثْمَانَ، عن أَبي صَالِحٍ كاتب الليث، عن اللَّيْث، به.
ورواه الخطيب في "المتفق والمفترق" (3/ 1683) (1185) من طريق سهيل بن عبدالله بن مسعود العبدي، عن عبدالله بن صالح كاتب الليث، به.
قلت: وسعيد بن أبي هلال ثقة، أصله من المدينة، ونزل مصر.
·…حكم العلماء على الحديث:
لا شك في تصحيح مسلم له وقد أخرجه في "صحيحه" بكلّ طرقه.
قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ عَمْرُو بنُ مُسْلِمٍ، قَدْ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ نَحْوَ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِلَى هَذَا الحَدِيثِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ بِالهَدْيِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلاَ يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ".