قلت: وقصد ابن عساكر أن يُبيّن الوهم في رواية مخرمة عن أبيه! لأن هذه الرواية محفوظة عن عطاء بن يسار عن أبي عبدالله الصنابحي!
وقد وهم مخرمة في هذا الحديث أيضاً.
·…رأي محمد عوّامة في كيفية تعليل الإمام مسلم للأحاديث!!
فهل قصد الإمام مسلم بتخريجه لحديث مخرمة عن أبيه تصحيحه أم بيان ما فيه من شذوذ لفظة "الحيّة" فيه؟!
أقول: الظاهر أنه - رحمه الله - يصححه سيما وأنه خرّجه في الأصول، لكن ذهب الشيخ محمد عوامة في "مقدمة تحقيقه لكتاب المصنف" لابن أبي شيبة (1/ 106) أن الإمام مسلم إذا أراد بيان ما في المتن من علّة فإنه يقدّم الطريق المعلول، ثم يتبعه بالصحيح، بعكس ما إذا أراد بيان العلّة في الإسناد، فإنه يُقدّم الصحيح، ثم يؤخر المُعلل!
وهذا الذي قاله عوّامه فيه نظر! والأمثلة التي أتى بها لا تسعفه في ذلك، وسأبيّن ذلك في بحثٍ مستقل إن شاء الله. وارجع للحديث الثاني ففيه لفظ مدرج لم يخرّجه مسلم في الأصل!
ثمّ إن الإمام مسلماً لما تكلم في مقدمة كتابه عن بيان العلل لم يُشر إلى التفرقة بين العلل في المتن أو الإسناد، وكذلك فنسبة منهج معيّن له بإطلاق فيه نظر! لأن من ذهب أيّ مذهب في ذلك ونسبه له سيواجه ما يخالفه كمن يقول بأنه يؤخر الحديث الذي فيه علّة إلى آخر أحاديث الباب! وإن كان لهذا الرأي وجه، لكن ليس على إطلاقه.
قال - رحمه الله- في "مقدمة صحيحه": "فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمْ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ، فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ، وَالصِّدْقِ، وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ ...
وَسَنَزِيدُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالْإِيضَاحُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ... ".
قلت: فكلامه واضح في تقديمه للحديث الذي هو أسلم من العيوب، وما نبّه عليه من اختلاف الألفاظ فهذا أمرٌ آخر.
الحديث الحادي عشر: قال مسلم في "صحيحه" (2/ 969) (1333) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ. [ح].
وحَدَّثَنِي هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابنِ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ، يُحَدِّثُ عَبْدَاللهِ بنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الحِجْرِ».