والخلاصة أنّ مسلماً خرّج في الأصل الرواية التي فيها ذكر «الحَيَّةِ» في حديث عائشة! وهذا لفظ شاذ في المحفوظ عنها، والمحفوظ في حديث ابن عمر وحفصة أيضاً.
والرواية التي جاء بها مسلم لتأييد هذا اللفظ من حديث شعبة جاء برواية غُندر فقط! وأعرض عن الروايات الأخرى التي تدلّ على شك شعبة فيها، فيرجّح عنه ما هو محفوظ في الروايات الأخرى وكذا في شواهد الحديث، وهو شذوذ ذكر «الحَيَّةِ»! وجاء قتلها في حديث ابن مسعود عند البخاري وغيره، لكن لا يحفظ هذا في حديث عائشة، ولا ابن عمر وحفصة.
والخلاصة أن رواية مخرمة التي بدأ بها الإمام مسلم طريقها غريب! ولفظها مخالف للمحفوظ من حديث عائشة.
وقد أشار الدارقطني إلى رواية عبيدالله بن مقسم عن القاسم عن عائشة، لكنه لم يذكر من رواه عن عبيدالله، ولم يبيّن متنها أو وقفها ورفعها، لكن الظاهر أنه قصد المتن المعروف لأنه سئل عنه في الأصل.
قال في "العلل" (15/ 28) (3807) لما سئل عن حديث عروة، عن عائشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم ... فذكرهن؟: "وروى هذا الحديث القاسم، عن عائشة، حدّث به عبيدالله بن مقسم، عن القاسم، عن عائشة وأما عبد الرحمن بن القاسم، فاختلف عنه؛ فرواه شعبة عنه موقوفاً؛ ورفعه المسعودي عنه".
قلت: فربما أن هذه الرواية التي أشار إليها هي رواية مخرمة، ويُستفاد مما ذكره الدارقطني أن عبدالرحمن بن القاسم رواه أيضاً عن أبيه عن عائشة، واختلف في روايته بين الوقف كما روى شعبة، والرفع كما روى المسعودي.
روى أحمد في "مسنده" (42/ 490) (25753) عن وَكِيع، عَنِ المَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الحَيَّةُ فَاسِقَةٌ، وَالْعَقْرَبُ فَاسِقَةٌ، وَالْغُرَابُ فَاسِقٌ، وَالْفَأْرَةُ فَاسِقَةٌ".
وشعبة أوثق وأحفظ من المسعودي، والمسعودي كان قد اختلط، فرفعه هنا وهم!
لكن رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 351) (14837) عن عَبْداللَّهِ بن نُمَيْرٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بن أبي سفيان، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُهُ - أي النبي صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ فَاقْتُلُوهُنَّ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ".
قلت: فيحتمل أن القاسم كان أحياناً يقفه، وأحياناً يرفعه، وهو محفوظ من الوجهين، وليس فيه ذكر "الحية".
وروى الفاكهي في "أخبار مكة" (3/ 378) من طريق ابن جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَنِي أَبَانُ بنُ صَالِحِ بنِ عُمَيْرٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: "أُحِلَّ خَمْسٌ لِلْحَرَامِ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ".
قَالَ أَبَانُ: فَقُلْتُ لَهُ: أَلِخَبَرٍ؟ فَقَالَ: "ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ يَقُولُ: هِيَ أَفْسَقُ الْفَسَقَةِ".
والخلاصة أنّ رواية مخرمة عن أبيه عن عبيدالله بن مقسم عن القاسم عن عائشة التي أوردها مسلم فيها وهم في متنها! فذكر أربعاً فقط، ثم زاد الخامسة "الحية" من كلام القاسم! ولا يحفظ هذا في رواية القاسم عن عائشة!
·…وهم آخر لمخرمة في حديثه عن أبيه!
وبُكير بن عبدالله والد مخرمة يروي عن عبيدالله بن مقسم، لكن إن حصل وهم في روايته، فإن ذلك يكون من مخرمة!
فقد روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (35/ 124) في ترجمة "عبدالرحمن بن عُسيلة أبي عبدالله الصُّنابحي" حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي عبدالله الصنابحي: "نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ثلاث ساعات".
ثم أتبعه بحديث ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن عبيدالله بن مقسم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: "نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صلاتين".