ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يسنده، والصواب من قول أبي بردة منقطع. كذلك رواه يحيى بن سعيد القطان عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب. رواه عن أبي بردة قوله. قاله جرير عن مغيرة عن واصل.
وتابعهم مجالد بن سعيد: رواه عن أبي بردة كذلك. وقال النعمان بن عبدالسلام عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف، ولا يثبت قوله (عن أبيه)، ولم يرفعه غير مخرمة عن أبيه. وقال أحمد بن حنبل عن حماد بن خالد قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئاً؟ قال: لا".
وقال في "العلل" (7/ 212) (1297): "يَرْوِيهِ مَخْرَمَةُ بنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُاللَّهِ بنُ وَهْبٍ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ عَمْرٍو، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَخَالَفَهُ النُّعْمَانُ بنُ عَبْدِالسَّلَامِ، فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا.
وَخَالَفَهُمَا يَحْيَى القَطَّانُ، فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَوْلِهِ.
وَتَابَعَهُ عَمَّارُ بنُ رُزَيْقٍ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَوْلِهِ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ، وَمُجَالِدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ من قوله.
وحديث مخرمة بن بكير، أخرجه مسلم في الصحيح، والمحفوظ من رواية الآخرين، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَوْلِهِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ".
قلت: وقول الدارقطني: "تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُاللَّهِ بنُ وَهْبٍ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ"! فيه نظر! فقد رواه عبدالله بن وهب أولاً عن مَيْمُون بن يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَخْرَمَةَ، عَنْ مَخْرَمَةَ، ثم سمعه من مخرمة دون واسطة كما جاء مصرحاً من كلامه، وهذا يعني أنّ ابن وهب لم يتفرد به، بل تابعه ميمون عليه، وهو تفرد بروايته عنهما.
ومعنى قوله: "وهو صحيح عنه" يعني أنه صحّ من روايته، لا أنه يصحح الحديث، فتنبّه.
والدارقطني أعلّ الحديث بوقفه على أبي بردة ابن أبي موسى وأنه من كلامه.
وقد أعلّه الحافظ ابن حجر أيضاً، فقال في "فتح الباري" (2/ 422): "أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ.
أَمَّا الِانْقِطَاعُ: فَلِأَنَّ مَخْرَمَةَ بنَ بُكَيْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ نَفْسِهِ، وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مَخْرَمَةَ، وَزَادَ: (إِنَّمَا هِيَ كُتُبٌ كَانَتْ عِنْدَنَا). وَقَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: (لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُ عَنْ مَخْرَمَةَ إِنَّهُ قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ أَبِي).
ولا يُقَالُ مُسْلِمٌ يَكْتَفِي فِي المُعَنْعَنِ بِإِمْكَانِ اللِّقَاءِ مَعَ المُعَاصَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُودُ التَّصْرِيحِ عَنْ مَخْرَمَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ كَافٍ فِي دَعْوَى الِانْقِطَاعِ.
وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ: فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَوَاصِلٌ الْأَحْدَبُ وَمُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَبُو بُرْدَةَ كُوفِيٌّ فَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِ مِنْ بُكَيْرٍ الْمَدَنِيِّ، وَهُمْ عَدَدٌ وَهُوَ وَاحِدٌ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِي بُرْدَةَ مَرْفُوعًا لَمْ يُفْتِ فِيهِ بِرَأْيهِ بِخِلَافِ المَرْفُوعِ، وَلِهَذَا جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ المَوْقُوفَ هُوَ الصَّوَابُ".