تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ مَخْرَمَةُ ثَبْتًا، وَلَكِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ مِنْ كِتَابٍ وَجَدَهُ لِأَبِيهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَعِيرُ كُتُبَ بُكَيْرٍ فَيَنْظُرُ فِيهَا وَيُحَدِّثُ عَنْهَا".

قلت: هذا يقوله يحيى بلاغاً بأنه كان يستعير كتب بكير، والراجح أنه أخذ من مخرمة كتاب سليمان بن يسار كما بينا فروى منه، ولا يوجد دليل على أنه نظر في كل كتب بكير، والله أعلم.

وكأن النسائي ذهب إلى أن "الثقة" الذي يروي عنه مالك هو: "عمرو بن الحارث" لما روى في "السنن الكبرى" (3/ 244) حديث سُفْيَان، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، وَعَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمْرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».

قال النسائي: "أَرْسَلَهُ مَالِكٌ".

ثم ساق روايتهه عن أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى».

قال: "أَسْنَدَهُ بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْ ابْنِهِ وَعَمْرٍو عَلَيْهِ فِيهِ".

ثم ساق رواية مخرمة فقال: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَكَمَ الزُّرَقِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى فَسَمِعُوا رَاكِبًا يَصْرُخُ يَقُولُ: «أَلَا لَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ».

ثم قال: "مَا عُلِّمْتُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَ مَخْرَمَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْحَكَمِ الزُّرَقِيِّ، وَالصَّوَابُ مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ".

ثم ذكر رواية عمرو بن الحارث، من طريق ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: مَرَّ بِنَا رَاكِبٌ وَنَحْنُ بِمِنًى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي فِي النَّاسِ: «لَا تَصُومُنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» فَقَالَتْ أُخْتِي هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقُلْتُ أَنَا: لَا، بَلْ هُوَ فُلَانٌ.

ولعل قائل يقول: مسلم أخرج ما تبيّن له أنّ مخرمة أصاب فيه!

أقول: بعد ما بيّناه من وهمه في حديث أبيه وتفرداته عنه، فكيف استطاع الإمام مسلم أن يثبت لديه أنه أصاب في هذه الأحاديث التي أخرجها له؟!!

فإن كان أخرجها من باب المتابعات والشواهد فالأمر هيّن! لكن ما باله أخرج له ما يتفرد به! وهناك بعض الأحاديث التي خولف فيها؟!

والمعاصرون إنما يتبعون مسلماً في تخريجه لهذه الأحاديث ويجزمون بصحتها!!

فهذا الشيخ الحويني في "نثل النبال بمعجم الرجال" (3/ 302) لما ذكر "مخرمة بن بكير" يقول: "قُلْتُ: تكلم العلماءُ في سماعه من أبيه. فجزم أحمد أنه لم يسمع منه. وقال معنٌ: (إنه سمع من أبيه). فقال ابن المديني: (لعله سمع الشيء اليسير). وقد نقلوا عن مخرمة أنه قال: (لم أسمع من أبي، إنما هذه كتبٌ وجدناها عندنا عنه). فهي إذَنْ وجادةٌ صحيحة، بل هي من أقوى الوجادات لا سيما مع قرب موت صاحب الكتاب، فقد قال مخرمة: (ما أدركت أبي إلا وأنا غلامٌ). وقد احتج مسلم برواية مخرمة عن أبيه، والله أعلم" انتهى.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٩١