قلت: فهذه بعض تفردات مخرمة بن بُكير عن أبيه، وقد أخطأ فيها! فأحياناً يسلك الجادة في الإسناد ولا يضبطه، وأحياناً ينقص رجلاً من الإسناد، وأحياناً يرفع الحديث الموقوف، وأحياناً يخالف في الإسناد كاملاً، وأحياناً يتفرد بالحديث عن أبيه ولا يتابعه عليه أحد!
فحديثنا عن عرفة تفرد به ولم يتابعه عليه أحد ممن روى عن أبيه بُكير!! ولم نجده عند المدنيين ولا المصريين عن بُكير! وهذا يجعلنا نقول بأن بُكيراً لم يروه قط! أو أنه وجده في كتاب أبيه لكن ليس بإسناد متصل! فقد يكون عنده بإسناد مرسل أو أنه عنده كفائدة؛ لأن الرواة الذين كان عندهم الكتب كانوا يكتبون فيها الفوائد أيضاً من مراسيل ومقطوعات ونحوها، ومن هنا احتاط العلماء في مسألة الرواية من الكتب! والحديث قد وجدناه بنحو لفظ حديث مخرمة عند أهل المدينة مرسلاً، فقد يكون في كتاب بُكير هكذا، لكن لما رواه ابنه أخطأ فيه فذكر له ذاك الإسناد الذي رواه به، والله أعلم.
وعليه فلا يُقبل أيّ حديث يتفرد به مخرمة عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه، وهو يروي من كتبه التي وجدها، وقد ثبت عليه الوهم والخطأ في روايته من هذه الكتب، فمن باب أولى عدم قبول حديث يتفرد به.
«التَّنبيه» على كيفية تخريج مُسلمٍ لأحاديث «مَخرمة بن بُكير عن أبيه».
·…انتقاد الإمام مسلم لتخريجه حديث مَخرمة بن بُكير عن أبيه!
انتقد بعض أهل العلم مسلماً في تخريجه لحديث مخرمة بن بكير عن أبيه؛ لأنه يعلم أقوال أهل العلم في أنه لم يسمع من أبيه!
قال الرشيد العطّار في "غرر الفوائد المجموعة" (ص: 324): "وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه هذه الترجمة والله أعلم".
وقد أعلّ ابن القطان الفاسي أحاديث مخرمة عن أبيه في كتابه "بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام" (2/ 369) فأوردها تحت: "بَاب ذكر أَحَادِيث أوردهَا على أَنَّهَا مُتَّصِلَة وَهِي مُنْقَطِعَة، أَو مَشْكُوك فِي اتصالها".
وقال العلائي في "جامع التحصيل" (ص: 275): "أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سبباً للإتصال، وقد انتقد ذلك عليه".
·…الوِجادة .. وهل كان مخرمة يقرأ من كتب أبيه عندما يُحدّث؟ أم أنه حفظ الأحاديث وكان يحدّث من حفظه فَيَهِم ويُخطئ؟!!
قلت: المشكلة ليست في الوجادة، وهي معتبرة عند أهل العلم، وليست المسألة في الرواية بها، ولكن المشكلة في ضبط أحاديث هذه الكتب التي يجدها الراوي!! مع أن الأصل أنه كان ينبغي أن ينص على روايته بالوجادة لما يروي، فيقول: "وجدت في كتاب أبي"، أو: "قرأت في كتاب أبي"!
وهنا الذي يظهر لي أن سبب عدم نص مخرمة على ذكر "الوجادة" في التحديث عن أبيه أنه ربما حفظ ما في هذه الكتب، وقد تكون كتبا صغيرة وقليلة، ولما حدّث بها من حفظه وقعت له هذه الأخطاء التي بيناها ووهم في أسانيدها، والله أعلم.
ويؤيد ذلك أنه عندما روى بعض الأحاديث رواها بذكر السماع مع وهمه في إسنادها!! فهل إذا كان يقرأ من كتاب أبيه يخطئ هذه الأخطاء؟!!
روى الدارقطني في "العلل" (10/ 126) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قال: حدثنا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْذِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِالرحمن، قالوا: حدثنا عَبْدُاللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ سُهَيْلًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَفْدُ الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر».
قال: حدثنا علي بن محمد المصري: حدثنا مطلب بن شعيب: حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا ميمون بن يحيى، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه قال: سمعت سهيل بن ذكوان يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ: «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ».