قلت: فعبدالله بن وهب وميمون بن يحيى رويا عنه هذا الحديث مع تصريحه لسماع أبي صالح له من أبي هريرة، ولسماع أبي هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم! والحديث كما تقدّم عن أبي صالح عن مرداس عن كعب الأحبار قوله! فلا أظنه أنه في كتاب بكير بهذا الخطأ!!
وعليه فإما أن يكون كما ذكرت حفظ بعض الأحاديث من كتب أبيه فلما حدث بها وهم فيها ودخل له بعض الأسانيد بعضها في بعض، أو أنه لما كان يحدّث من كتب أبيه لم يضبطها فدخلت عليه الأوهام، أو حدث له كلا الأمرين، فمن حدّث عنه وأكثر كعبدالله بن وهب لم يذكر في حديثه أنه سمع منه من كتاب أبيه أو أنه كان يقرأ من كتاب أبيه! وقد مرّ نقل الإمام أحمد عنه مرة أنه قال: "قرأت في كتاب أبي بُكير .. " فكأنه لما كان يحدث من كتاب أبيه ينص على ذلك، وإذا لم يحدث منه ويحدث من حفظه لا يقول ذلك، والظاهر أن أكثر ما سمعه منه ابن وهب كان من حفظه، ولهذا حصلت له الأوهام والتفردات، والله أعلم.
وقد روى ميمون بن يحيى الأشج، عن مخرمة بْن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بْن يسار، أَنَّهُ سمع ابن الحكم الزرقي، وهو مسعود يقول: حدثني أَبِي: "أنهم كانوا مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى، فسمعوا راكبًا وهو يصرخ: لا يصومن أحد فإنها أيام أكل وشرب".
قال أَبُو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2/ 724) بعد أن ذكر هذه الرواية: "هَذَا وَهْمٌ مُنْكَرٌ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ".
ثم ساقها من طريق أَحْمَد بن عَبْدِالرَّحْمَنِ، قال: حدثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَكَمَ الزُّرَقِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَتْنَا أُمِّي أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
ثم قال: "وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا مِثْلَهُ، عَنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ، عن بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ ... ".
وقال المزي في "تهذيب الكمال" (7/ 160): "الحكم الزرقي عَن أمه: أنهم كانوا مع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فسمعوا راكباً ... الحديث في النهي عن صيام أيام التشريق.
وعَنه: سُلَيْمان بن يسار. قاله مخرمة بن بكير، عَن أبيه، عن سُلَيْمان.
وَقَال عَمْرو بن الحارث، عن بكير، عن سُلَيْمان، عن مسعود بن الحكم، عن أُمِّه وهو المحفوظ، وكذلك رَوَاهُ غير واحد عن مسعود بن الحكم".
قلت: ما قاله أبو نُعيم فيه نظر!! فالاختلاف من مخرمة نفسه وهو من ذكر "الحكم الزرقي" في رواية ابن وهب عنه وكذا رواية ميمون التي استنكرها!! ولهذا قال النسائي لما ذكر رواية مخرمة: "مَا عُلِّمْتُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَ مَخْرَمَةَ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عَلَى الْحَكَمِ الزُّرَقِيِّ، وَالصَّوَابُ مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ"، ثم ساق رواية عمرو بن الحارث: أنّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مَسْعُودَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: مَرَّ بِنَا رَاكِبٌ وَنَحْنُ بِمِنًى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي فِي النَّاسِ: «لَا تَصُومُنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» فَقَالَتْ أُخْتِي هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقُلْتُ أَنَا: لَا، بَلْ هُوَ فُلَانٌ.
وهذا كلّه يقوي ما ذكرته أنّ مخرمة كان قد حفظ الأحاديث التي كانت في كتب أبيه، ثم لما حدّث بها كان يُخطئ فيها، والله أعلم.
·…كلام ابن القيّم حول الكتب التي وجدها مخرمة وسماعه من أبيه!