وعليه فإن الحديث إذا توبع عليه مخرمة أو رُوي من طرق أخرى فيمكن اعتبار حديثه في المتابعات، وأما إذا تفرد بحديث عن أبيه فلا يُقبل ويُرد!!
وهذا الحديث الذي أخرجه له مسلم في أنّ يَوْم عَرَفَة أكثر الأيام التي يُعتق اللهُ فِيها عباداً مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ سبحانه يَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِالحجيج المَلَائِكَةَ! لا يوجد له أصلٌ صحيحٌ مسندٌ! وهو حديث ضعيف، وإسناده منكر!
وأكبر ظنّي أنه دخل لمخرمة حديث في حديث بسبب الوجادة.
وقد وجدت رواية عن عائشة في هذا الباب من طريق أهل المدينة، فقد تكون أصل الرواية التي رواها مخرمة عن أبيه!
روى الفاكهي في "أخبار مكة" (4/ 312) (2738) قال: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ – هو: المَرْوَزِيُّ السُّلَمِيُّ-، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ. قِيلَ لَهَا: وَمَا يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ؟ قَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَدْعُو مَلَائِكَتَهُ وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا، بَعَثْتُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَآمَنُوا بِهِ، وَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ كِتَابًا فَآمَنُوا بِهِ، يَأْتُونَنِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَسْأَلُونِي أَنْ أُعْتِقَهُمْ مِنَ النَّارِ، فَقَدْ أَعْتَقْتَهُمْ. فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ أَنْ يُعْتَقَ فِيهِ مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
وأَبُو بكر بن عثمان بْن سهل بْن حنيف الْأَنْصَارِيّ المدنيّ، ثقة، روى عن عمّه أبي أمامة في الصحيحين، روى عَنْهُ مالك وابن المبارك. وهو من طبقة بُكير والد مخرمة.
وأبو عقيل هذا مجهول!
قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/ 416): "أبو عقيل مولى لبني زريق، سمع عائشة. روى عنه أبو بكر بن عثمان، سمعت أبي يقول ذلك".
قلت: لا يوجد له عن عائشة إلا هذا الحديث، وهو مجهول، ولم يذكر أنه سمع من عائشة! وهو موقوف عليها.
وكأنّ هذا هو أصل الحديث الذي يرويه مخرمة عن أبيه، والله أعلم.
·…كيف تكون أحاديث الوجادة فيها علّة؟
وهنا أسوق مثالاً من علل أحاديث الوجادة:
أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" (2/ 220) (1906) عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، وفي "المعجم الصغير" (1/ 180) (285) عن إسحاق بن الخليل البغدادي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله عليه وسلم: «اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».
قال الطبراني في "المعجم الصغير": "لم يروه عن شعبة إلا محمد بن أبي شيبة".
قلت: هذا الحديث عن شعبة غريب! تفرد به محمد بن أبي شيبة! وكلام الطبراني يدل على تعليله له؛ فإن محمد بن أبي شيبة والد أبي بكر - وإن كان صدوقاً- إلا أنه لايقبل منه؛ لأن أصحاب شعبة المكثرين لم يرووه عنه!!
لكن للحديث علة أخرى، وهي الوجادة! - والوجادة وإن كانت معتبرة عند العلماء لكنها لا تقبل هكذا بإطلاق؛ فنحن لا نعلم هل سمع محمداً هذا الحديث من شعبة أم وقع له خطأ فيه! فلو كان عند شعبة لرواه عنه أصحابه الملازمين له. ورواية الطيالسي للحديث عن شريك - كما سيأتي- ترجح ذلك؛ لأن أبا داود الطيالسي صاحب شعبة، فلو كان الحديث عند شعبة لسمعه منه.
والظاهر أن محمد بن أبي شيبة لم يسمعه من شعبة، ولم يحدث شعبة به! وتفرد محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة عن شعبة لا يقبل، وهو صدوق ولم يخرج له سوى النسائي، فأخرج له حديثاً واحداً فقط! ومولده سنة (105 هـ) ووفاته سنة (182 هـ) وحديثه الذي خرج عنه قليل جداً! ولم يسمع منه ابنه أبو بكر صاحب المصنف، وهو يروي عنه وجادة.