وقال سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخبرنا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ خَالِي قَالَ: أَتَيْتُ مَخِرْمَةَ بْنَ بُكَيْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ؟ فَقَالَ: "لَمْ أُدْرِكْ أَبِي، وَلَكِنْ هَذِهِ كُتُبُهُ".
وفي "العلل ومعرفة الرجال" (1/ 316) قال عبدالله: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنِي ابن الْمُبَارك قَالَ: حَدثنِي مخرمَة بن بكير، قَالَ: "قَرَأت فِي كتاب أبي بكير".
وقال عبدالله: قَالَ أبي: سَمِعت حَمَّاد الخياط يذكر عَن مخرمَة قَالَ: "لم أسمع من أبي شَيْئاً".
وقال في موضع آخر (2/ 173): قَالَ أَبِي سمعته من حَمَّاد الْخياط، قَالَ: أخرج مخرمَة بْن بكير كتباً، فَقَالَ: "هَذِهِ كتب أَبِي لم أسمع من أَبِي شَيْئا".
وقال في موضع ثالث (2/ 489) عن أبيه: "مخرمَة بن بكير ثِقَة إِلَّا أَنه لم يسمع من أَبِيه شَيْئا".
وقد أشار إلى هذا الإمام البخاري في ترجمته في "التاريخ الكبير" (8/ 16) فقال: "مخرمة بْنُ بَكِيرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ الأَشَجِّ عَنْ أَبِيه. روى عنهُ: عَبْداللَّه بْن وهب وابْن المبارك. يُعدّ فِي أهل المدينة. قَالَ ابْن هلال: سَمِعت حماد بْن خالد الخياط قال: أخرج مخرمة بن بكير كتباً، فقَالَ: هذه كتب أَبِي لم أسْمَعْ منها شيئا".
قلت: ولهذا لم يخرّج له البخاري مطلقاً في صحيحه لا من روايته عن أبيه ولا عن غيره، وأكثر روايته عن أبيه، وقوله: "عن أبيه" يعني لم يثبت سماعه منه مع ما رواه عن خالد الخياط.
وقد يعترض معترض ويقول: ساق الترمذي في "العلل" حديثاً رواه مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَائِشَةَ ... ؟ قال: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقُلْتُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ مِنَ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ رَوَى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ".
فهذا البخاري اعتمد ما رواه مخرمة عن أبيه في إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة؛ لأنه جاء في روايته: "سمعت عائشة"!!
وهذا ما هو موجود في "تهذيب الكمال" (26/ 508): "وَقَال التِّرْمِذِيّ: سألت محمداً، فقلت: مُحَمَّد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال: نعم، يقول في حديثه سمعت عائشة".
أقول: نعم، هذا يدلّ على اعتداد البخاري بما يرويه مخرمة عن أبيه! لكن هذا رأي للبخاري قديم، ويُقدّم عليه ما في "التاريخ الكبير"، فما رواه الترمذي عن البخاري في "العلل" كان قديماً جداً قد تغيّر رأي البخاري في كثير منها بعد أن حرر تاريخه الكبير، وأخرج الصحيح، وخاصة في أحوال الرواة!! لأنه قد خالف كثيراً منها في كتبه، ولا شك أن التحرير في التصنيف يختلف عن الإجابة عن السؤالات، ولي - بحمد الله - بحث حررت فيه هذه المسألة بالأدلة.
ونقل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (5/ 354) في ترجمة "ابن المنكدر": وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّداً - يَعْنِي: البُخَارِيَّ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَقُوْلُ فِي حَدِيْثِهِ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ.
قُلْتُ: إِنَّ ثَبتَ الإِسْنَادُ إِلَى ابْنِ المُنْكَدِرِ بِهَذَا، فَجَيِّدٌ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ؛ لأَنَّهُ قَرَابَتُهَا، وَخَصِيصٌ بِهَا، وَلَحِقَهَا وَهُوَ ابْنُ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً".
ولكنه قال في ترجمة "عائشة" في "سير أعلام النبلاء" (3/ 427): "حدّث عنها ... وَمُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ وَكَأَنَّهُ مُرْسَلٌ .. ".
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (2/ 553) قال: "قال البَيْهَقِيّ: وَمُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ. كَذَا قَالَ! وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ البُخَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْهَا أَمْكَنَ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ مَاتَ بَعْدَهَا".