وسمعتُ أَبِي مَرَّةً أُخْرَى يَقُولُ: لا أَعْلَمُ رَوى هَذَا الحديثَ عَنْ سُهَيْلٍ أَحَدً إِلا مَا يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يذكرِ ابْنُ جُرَيج فِيهِ الخبرَ، فَأَخْشَى أَنْ يكونَ أَخَذَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى؛ إِذْ لَمْ يَرْوِهِ أَصْحَابُ سُهَيل، لا أعلم رُوي هذا الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ أَبِي هريرة.
ورواه إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيَّاش - هَذَا الحديثَ - فَقَالَ: حَدَّثَنِي سُهَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ يذكرُ فيه الخبرَ.
قَالَ أَبِي: فما أدري ما هَذَا؟! نفسُ إِسْمَاعِيل ليس براويةٍ عَنْ سُهَيْل؛ إنما روى عنه أحاديثَ يسيرة".
قلت: فانظر كيف ردّ أبو حاتم رواية من رواه عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة؛ لأن هذا الحديث لا يعرف عند أصحاب سهيل بن أبي صالح! ورد كذلك رواية إسماعيل بن عيّاش التي يُصرح فيها بالسماع أيضاً؛ لأنه لم يكن راوية لحديث سهيل، أي لم يكن من أصحابه المكثرين عنه، فهذه قرينة لرد تفرده.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (6/ 49) (2307) وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ ابنُ أَبِي عُمَرَ العَدَني، عَنِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي خِداش، عَنِ ابْنِ عبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَمْلوكين: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ... ، الحديثَ؟ "
قَالَ أَبِي: "لم يكَن هَذَا الحديثُ عند الحُمَيدي، ولا عند عليٍّ المَديني، ولم نجِدهُ عند أحدٍ من أصحاب ابْن عُيَينة".
قَالَ أَبِي: "ولم أزل أُفَتِّشُ عَنْ هَذَا الحَدِيث، وهَمَّني جداً، حتى رأيتُ فِي موضع: عَنِ ابْن عُيَينة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي خِداش، عن ابن عباس، موقوفً؛ فقلتُ: إنَّ رفعَهُ ليس له معنًى؛ والصَّحيحُ موقوفٌ.
وقد رَوَاهُ ابنُ جُرَيج، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي خِداش، عَنِ ابْنِ عباس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: نِعْمَ المَقْبَرَةُ هَذِهِ، يَعْنِي: مَقْبَرَةَ مَكَّةَ.
قَالَ أَبِي: فلم يُعْرَفْ بذي الإسناد إلا هَذَا وحدَهُ حتى كتبتُ عَنِ ابْن أَبِي عُمَر ذاك الحديثَ".
قلت: ردّ أبو حاتم تفرد ابن أبي عمر العدني بهذا الحديث عن سفيان بن عيينة؛ لأنه لا يوجد عند أشهر أصحابه مثل الحميدي!! فلو كان هذا الحديث عند ابن عيينة لوجدناه عند أخص أصحابه.
ثم لما وجد طريقاً لهذا الحديث عن ابن عيينة، لكنه ليس مرفوعاً، حكم بأن الصواب فيه الوقف، وقد أخطأ ابن أبي عمر برفعه.
فهذه أمثلة تأصيلية لهذه القاعدة التي تكلمنا عليها في "علم العلل"، وسنمشي عليها في مثال لحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
قال الإمام مسلمٌ - رحمه الله- في "صحيحه" (2/ 982) (1348) حَدَّثَنَا هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، يَقُولُ: عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟».
·…تخريج الحديث:
رواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/ 152) (3982) عن عِيسَى بن إِبْرَاهِيمَ بنِ مَثْرُودٍ المِصْرِيّ.
ورواه ابن ماجه في "سننه" (2/ 1003) (3014) عن هَارُونُ بن سَعِيدٍ المِصْرِيّ أَبي جَعْفَرٍ.
ورواه أبو عوانة في "مستخرجه" (2/ 373) (3478) عن إِبْرَاهِيم بن مُنْقِذِ بنِ عَبْدِاللَّهِ الخَوْلَانِيّ أَبي إِسْحَاقَ.