وهذا الحديث رواه البخاري في «كتاب الحج» «بَاب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ» ولم يذكر غيره في هذا الباب. ثم رواه في «كتاب الصوم» «بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ».
فنلاحظ أنّ البخاري ذكره في كتاب الحج وهل يصومه الحاج؟ ثم ذكره في كتاب الصوم وهل يصومه الناس غير الحجيج؟ والظاهر من فعله بإيراد الحديث نفسه أنه لا يصح في ذلك شيء، والله أعلم.
قال ابن حجر في «فتح الباري» (4/ 237): " (قَوْلُهُ بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ) أَيْ مَا حُكْمُهُ؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتِ الْأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي التَّرْغِيبِ فِي صَوْمِهِ عَلَى شَرْطِهِ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً آتِيَةً وَسَنَةً مَاضِيَةً أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ".
ثم قال: (قَوْله فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ مُعْتَادًا لَهُمْ فِي الْحَضَرِ".
قلت: هذا الحديث ليس فيه دلالة على أن صوم عرفة كان معروفاً عندهم معتاداً لهم في الحضر كما ذهب إليه ابن حجر! وإنما اختلاف الصحابة في صوم النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم عرفة أو عدمه إنما كان نابعاً من رصدهم لحركات النبيّ صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأقواله في ذلك اليوم. فهو يوم عظيم، وهو اليوم الذي حجّ فيه صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم الذي قال فيه لهم: «خذوا عني مناسككم»، فلما رأوه أنه توجّه من مِنى يوم التاسع من ذي الحجة إلى عرفة، ثُم دخوله عرفة، ولم يشاهدوه أكل أو شرب ظنّ بعضهم أنه صائم، فتماروا في ذلك، فأزالت ذلك هذه الصحابية بعبقريتها فأرسلت إليه بقدح لبن فشرب منه صلى الله عليه وسلم.
وكون أن بعض الصحابة اعتقدوا أنه لم يكن صائم ذلك اليوم يشعر أنهم لم يعتادوا صيامه بخلاف ما ذكر ابن حجر. ولو كان صيام ذلك اليوم معروفاً عندهم ومعتاداً لهم في الحضر لنُقل عنه صلى الله عليه وسلم أو نقل عن بعض أصحابه، سيما ويوم عرفة من الأيام المشهودة عند المسلمين في كلّ عام.
31 - ثبت عن بعض الصحابة والتابعين أنهم صاموا عرفة بعرفة، ومنهم: عائشة رضي الله عنها، والحسن البصري، وعثمان بن أبي العاص، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير.
32 - ليس كلّ حديث اختلف في أسانيده اختلافاً كثيراً يكون مضطرباً! ويستطيع الناقد أن يستخلص من هذه الاختلافات الطريق الصواب.
ومن ذلك أن الترمذي روى في «جامعه» من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعود، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ، فَقَالَ: «الْتَمِسْ لِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إِنَّهَا رِكْسٌ».
ثُم ساق الاختلاف في أسانيده، ثُمّ قال: "وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ"، ثُمّ قال: "وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْ هَذَا فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ أَشْبَهَ وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الجَامِعِ".
فالبخاريّ استطاع أن يستخرج الرواية الصحيحة ورجّحها بعد عقود من سؤال الترمذي له عن الحديث، وأخرجها في صحيحه، ودفع عنها الاضطراب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وكتب: أبو صهيب خالد الحايك
تم اختصاره من الكتاب الأصل في الرابع عشر من ذي الحجّة لسنة ألف وأربعمائة وثمان وثلاثين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
14 ذو الحجة 1438 هـ.