وعليه فإن الصواب في الحديث ليس عن أبي قتادة الأنصاري، وإنما هو: "عن أبي قتادة" وهو العدوي البصري التابعي، وحينها تستقيم الرواية لأن من روى عنه هذا الحديث من أهل البصرة: عبدالله الزماني وحرملة بن إياس.
وعليه فهذا الحديث مرسل. ولم أجد من ذهب إلى هذا من قبلي، وقد مشى جميع الأئمة على أنه الأنصاري الصحابي! فهذه علّة الحديث، وهذا من فضل الله عليّ فله الحمد سبحانه.
ونؤيد هذا بعدة قرائن:
1 - الحديث لا يُعرف إلا في البصرة.
قال هَمَّام: سُئِلَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَنَا شَاهِدٌ - عَنْ الْفَضْلِ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ. حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخَلِيلِ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَلِمَةً تُشْبِهُ عَدْلَ ذَلِكَ قَالَ: «صَوْمُ عَرَفَةَ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ، وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ سَنَةٍ».
2 - نزول بعض أسانيد الروايات عن غيلان بن جرير (ت 129 هـ)! وأقدم من رواه عنه قتادة (ت 118 هـ). وغيلان سمع من أنس بن مالك (ت 92 هـ)، فرواية قتادة عنه قديمة وتوفي قتادة قبله بسنين، ولم ينسب قتادة: "أبا قتادة" في روايته.
ورواهُ عنه شعبة (ت 161 هـ)، وأبان العطار (ت في حدود الستين ومائة)، ومحمد بن سليم أبو هلال الراسبي (ت 167 هـ)، وجرير بن حازم (ت 170 هـ)، ومهدي بن ميمون (ت 172 هـ)، وحماد بن زيد (ت 179 هـ).
ونزول الإسناد عادة يكون في المراسيل.
3 - تحديث قتادة (ت 118 هـ) بهذا الحديث عن غيلان (ت 129 هـ) في حياة غيلان ووفاة غيلان بعده بأكثر من عشر سنين يدل على أن الحديث من باب الفوائد التي يأخذها الأقران أو الشيوخ عن التلاميذ بعضهم عن بعض، ولا تعرف إلا من طريق واحد لهذا يسمعها الشيخ من التلميذ أو القرين من قرينه.
4 - كلّ من سمع الحديث من غيلان إنما سمعه منه في أَواخر حياته باستثناء قتادة، ولهذا كان يشك غيلان في بعض الألفاظ، ومنها: "ذكر الخميس" في بعض الروايات. ومن هنا وافق شعبة في أن أبا قتادة هو الأنصاري لما قال ذلك شعبة له.
5 - سمع شعبة - وكان قدم البصرة وهو شيخ- وحماد بن زيد وجرير بن حازم - وهو من أقران شعبة - الحديث من غيلان في الفترة التي سمعها منه شعبة. وحمّاد بن زيد (98 - 179 هـ) أشار إلى أنه سمع من غيلان وهو شيخٌ كبير، ولذلك حدّثهم في ذلك بواسطة أيوب السختياني (ت 131 هـ)، وأيوب كان من أقران وأصحاب غيلان، ولم يرو حديث عرفة عنه.
6 - قول حماد إنه سمع من غيلان وهو شيخٌ كبير لا يعني أن غيلاناً ضعيف، ولكن كان أهل العلم يفضّلون السماع من الشيخ قبل أن يكبر ويتقدّم في السنّ؛ لأنه قد ينسى أو يضطرب أو يخطئ، ولا شك أن هذا الحديث فيه إشارات إلى أن غيلاناً كان يشك في بعض ألفاظه، ولهذا عندما سأله شعبة عن أبي قتادة، فقال له: الأنصاري، وافقه. وهذا من شعبة يدلّ على أنه كان شيخاً عارفاً بالحديث، وقد سمع من غيلان وهو شيخ، كما سمعه قتادة من قبل وهو شيخ، وقد روى قتادة وشعبة هذا الحديث؛ لأنه يتعلق بفضل يوم عظيم، ولا يوجد في هذا الباب إلا هذا الحديث، فلذلك روياه. ورواه قتادة في حياة غيلان، وكأنه سُئِل عن صيامه في بعض مجالسه أو غير ذلك فحدّث به عن غيلان. وكذلك شعبة. وقد تتبعت رواية قتادة وشعبة عن غيلان، فلم أجد لقتادة إلا حديثاً آخر بجانب حديث صيام عرفة، وحديثين آخرين لشعبة، وهذا يعني ويؤكد ما قلته بأنهما سمعا منه وهما شيخان عندهما حديث كثير، وحديث عرفة مرغوبٌ كونه في الفضائل، ولا يوجد إلا عند البصريين.
7 - لغة الحديث تشبه لُغَةُ المراسيل، والمراسيل تأتي على ما يشتهيه الناس وما يحبونه؛ فجاء في هذا الحديث كلّ أنواع صوم النوافل، وفي بعضها رتّب أجوراً عليها. وليس من هديه صلى الله عليه وسلم أن تكون أحاديثه هكذا وخاصة في الصيام!