تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - كلام البخاري "لا نعلم لفلان سماعاً من فلان" هو نفيّ للسماع كما هو في عبارته الصريحة "فلان لم يسمع من فلان". وليس معناها كما ذهب كثير من المعاصرين على أنها ليس جزماً في نفي السماع! بل لا فرق بين العبارتين، وإنما من خلال الاستقراء يقولها البخاري إذا لم يوجد لهذا الراوي عمّن روى عنه إلا حديثاً واحداً، فلا يوجد غيره لمعرفة السماع، فالمؤدى واحد عنده وهو نفي السماع لكن بعبارة أخرى.

5 - لم يزل أهل العلم يعلّون باختلاف مواطن الرواة مع تحقق الإدراك والمعاصرة. فهذا أبو وائل لم يثبت سماعه من معاذ، وإنْ كان قد أدركه بالسِّنِّ، وكان معاذٌ بالشَّام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمةُ - كأحمد وغيره - يستدلّون على انتفاء السَّماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكُوفة، وأبو الدَّرداء بالشام، يعني: أنَّه لم يصحَّ له سماع منه.

6 - من قال بأن عبدالله بن معبد قد توبع على حديث عن أبي قتادة تابعه حرملة بن إياس، فيُقال له: هذا الحديث حكم عليه الدارقطني بالاضطراب لكثرة الاختلاف في أسانيده، ومع ذلك لا نوافقه على ذلك، وإنما نُرجّح الطريق التي قال عنها بأنها أحسنها وهي: عن أبي الخليل، عن حرملة بن إياس، عن أبي قتادة.

وهذه متابعة جيدة لحديث عبدالله بن معبد الزماني. وحرملة بن إياس البصري مستور الحال، وتوفي ما بين سنة (100) و (110 هـ)، وهو من طبقة عبدالله بن معبد الزماني (ت بعد سنة 100 هـ).

لكن أعلّ البخاري هذه الطريق أيضاً بقوله: "لا يعرف لحرملة سماعاً من أبي قتادة". وذلك لأن أبا قتادة مدني، وحرملة بصري.

7 - يلزم الإمام مسلم في تصحيحه لهذا الحديث بالمعاصرة: تصحيحه لحديث "زوّارات القبور"، لتحقق المعاصرة أيضاً بين راويه أبي صالح باذام وبين ابن عباس. فإن مسلماً قال: "هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتّقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس".

فنفى مسلم السماع مع تحقق المعاصرة، بل واللقاء؛ لأن أبا صالح كان مولى لأم هانئ أخت عليّ بن أبي طالب، وهي بنت عمّ عبدالله بن عبّاس! وهو يعيش عندهم في بيتهم، فيلزم الإمام مسلم تصحيحه هذا الحديث بالمعاصرة مع عدم ثبوت السماع!

تضعيف الحديث على اعتبار أن الراوي هو: «أبو قتادة العدوي البصري التابعي»:

غالب روايات الحديث "عن أبي قتادة" ليس منسوباً. والخلل الذي حدث في الروايات هو من نسبته، وحصلت النسبة خطأ من راويه "غيلان بن جرير"، وكان غيلان بن جرير يروي الحديث عن شيخه الزماني عن أبي قتادة دون نسبة حتى سأله شعبة عن نسبة أبي قتادة.

قال شُعْبَة: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ – قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِغَيْلَانَ: الْأَنْصَارِيِّ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ.

وفي رواية: قال شعبة: سمعت غيلان بن جرير يحدِّث، عن عبدالله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة. قلت: الأَنصاريّ؟ قال: الأَنصاريّ.

فغيلان عندما كان يُحدِّث به عن عبدالله بن معبد لا ينسبه، فاحتاط شعبة لذلك – وهو معروف بذلك-، فسأله عن أبي قتادة هذا، من هو؟ فقال له شعبة: الأنصاري، أي: هو أبو قتادة الأنصاري الصحابي؟ فهز غيلان برأسه، أي نعم هو. ومن هنا جاءت نسبة أَبي قتادة في هذا الحديث في الروايات عن شعبة، ثُم تصرف أصحاب الأصناف في الروايات كما تصرف الرواة فنسبوه بناءً على ما سأل شعبة شيخه.

وما فعله شعبة أشبه ما يكون بالتلقين، وإن فارقه في عدم تقصد شعبة لذلك، وإنما خطر في ذهنه الأنصاري ظناً منه أن أبا قتادة هذا صحابي بعد أن ذكر شيخه التابعي، وأشهر الصحابة الذين يعرفون بهذه الكنية هو الأنصاري، فذكره له، فوافقه شيخه غيلان.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٦٢