تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأثر عبدالرحمن بن ثروان رواه عنه شعبة، وروى شعبة كذلك أثر القاسم بن محمد، وجاء هذا الأثر مفسر في رواية عبدالوهاب ومالك وغيرهما عن يحيى بن سعيد عن القاسم أن ذلك الصوم كان في عرفة، وبهذا يكون هذا الأثر صحيحاً، ولكنه مقيّد.

ويوضّح ذلك تبويب الإمام مالك لهذا الحديث، فإنه قال: «بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ»، ثُم ساق حديث أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ: «أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَ».

ثُمّ ساق حديث القاسم بن محمد. وهذا يدلّ على أن المقصود هو صيام يوم عرفة بعرفة.

والملاحظ أن شعبة - رحمه الله- روى حديث مسروق بلفظين، واحد منهما يوافق لفظ حديث القاسم، وهذا يدلّ على أنّ شعبة قد روى حديث مسروق مرة بلفظ حديث القاسم، وإن كان المعنى واحد، لكن اللفظ يختلف، وعليه فكأن المحفوظ من حديث مسروق الذي رواه عبدالرحمن بن ثروان عن هزيل عنه عن عائشة، قالت: «ما من السّنة يومٌ أَحبُّ إِليَّ من أن أصوم من يوم عرفة»، والله أعلم.

وأما قول البحريني أن هذا الأثر مخالف لما رواه مسلم عن عائشة، فيقصد به ما رواه الأسود عن عائشة قالت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر»! وهذا الاستدلال سقيم منه؛ لأن فعلها هذا لا يخالف الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر، وصومها لعرفة إنما كان في عرفة اجتهاداً منها، فإذا صامته فلا يعني أنها خالفت الحديث، سيما وأنها لم تحجّ كثيراً بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي إنما صامت عرفة بعرفة إذا حجّت اجتهاداً منها للحديث الذي ذكرته في الأصل، فليس هناك مخالفة، وإنما المخالفة في فهم بعض الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثمّ إن هذا الحديث معلول ولا يصح عن عائشة، والصواب فيه الإرسال كما بينته في موضع آخر.

والخلاصة أنّ شواهد حديث أجر صيام عرفة كلها واهية معلولة، ولا تصلح لأن تشدّ بعضها بعضاً كما ذهب إليه بعض المعاصرين الذين أسرفوا في تقوية الأحاديث بالشواهد الواهية والمنكرة!! والله المستعان.

وبعد: فهناك أشياء أخرى كثيرة منها ما يتعلق بمتن الحديث أفضت في الكلام عليها في كتابي الكبير «تَسليط الأَضواء على حديث فضل صوم يومي عَرفة وعَاشوراء»، وكذلك تخريج أحاديث صيام عاشوراء وبيان ما يتعلق ببعضها من علل، وغيرها من الفوائد الكثيرة، ولله الحمد.

·…خلاصة البحث وفوائده:

هذا البحث بفضل الله تعالى يحوي فوائد كثيرة لا نستطيع إيرادها كلها في هذه الخلاصة، وإنما نختار الأهم منها.

الرد على من صحح الحديث باعتبار الراوي هو «أبو قتادة الأنصاري الصحابي»:

صّحّح الإمام مسلم حديث فضل صوم يومي عرفة وعاشوراء للمعاصرة بين عبدالله بن معبد الزماني وأبي قتادة الأنصاري.

ويُعترض عليه بالآتي:

1 - نفي البخاري لسماع عبدالله بن معبد الزماني من أبي قتادة الأنصاري بقوله: "لا نعرف سماعه من أَبي قتادة"، وقال في موضع آخر: "ولم يذكر سماعاً من أبي قتادة".

2 - من ادّعى أن مسلماً عنده زيادة علم في مسألة السماع فليأت بالدليل! وكذلك لا يُقال هنا: المثبت مقدّم على النافي! لأن المثبت لم يذكر السماع ولم يأت بدليل عليه! وإنما مشى على المعاصرة فقط! وليس كل من عاصر شخصاً التقى به وسمع منه! فهو على الاحتمال.

3 - أبو قتادة مدنيّ، فكيف يتفرد بهذا الحديث عنه راويان بصريان! ولا يوجد عند أصحابه المدنيين!! فابنه عبدالله بن أبي قتادة من المُكثرين عن أبيه، وأخرج له البخاري ومسلم أحاديث كثيرة عن أبيه، ولا يوجد عنده حديث صوم عرفة! وهو حديث مطلوب ويتكرر كلّ سنة! وكذلك عطاء بن يسار، وعمرو بن سُليم الزّرقي، وأبو سعيد الخدري الصحابي، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، لا يوجد عندهم هذا الحديث! فمن أين جاء عبدالله بن معبد الزّماني وحرملة به؟!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٦١