قلت: الذي يُفهم من كلام الحافظ - رحمه الله- تليين خفيف في دلهم! وليس كذلك، فهو نفسه قال عنه في «التقريب» (ص 201): "ضعيف"، وهذا المصطلح يقوله ابن حجر في الراوي الذي لا يجد فيه ما يقوّيه.
وضعفه أبو داود والنسائي وأبو زرعة وابن حبان والساجي، وغيرهم، وهو ليس من الرواة المشهورين عن أبي إسحاق حتى يتفرد بأَحاديث عنه! وهو منكر الحديث.
قال النسائي في «الضعفاء» (ص 38): "دلهم بن صالح: ليس بالقوي".
وقال أبو زُرعة في «سؤالات البرذعي» (ص 431): "دلهم بن صالح: ضعيف الحديث".
وقال ابن حبّان في «المجروحين» (1/ 294): "منكرُ الحديث جداً، ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأَثبات".
وأما مرسل عطاء بن يَسار فلو كان تلقاه من عائشة لما عدل عن التحديث به عنها! ولا دليل على أنه تلقاه منها، ولو كان مثله لا يُقال بالرأي، فقد يكون سمعه من بعض الضعفاء، أو هو مما انتشر بين الناس وهكذا هي المراسيل!
وقد تفرّد به الوليد بن مسلم كما تفرد بالحديث السابق! فإن الفاكهي رواه في «أخبار مكة» (5/ 28) عن يعقوب بن حميد قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا ابن جابر، عن أبيه، عن عطاء قال: «صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم».
والمعروف أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تصوم يوم عرفة بعرفة، وهذا ثابتٌ عنها، ولو كان عندها في ذلك نصٌّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لذكرته، فيبقى الأمر اجتهاد منها في صومه، وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصمه.
وحديث مسروق رُوي من وجهٍ آخر عنه عن عائشة أنها قالت: «ما من السنة يومٌ أحبُّ إليَّ من أن أصومَ من يوم عرفة».
رواهُ غُندر محمد بن جعفر (كما عند ابن أبي شيبة في مصنفه: 2/ 341)، وبشر بن المفضل (كما عند الطبري في تهذيب الآثار: 1/ 365)، وشبابة بن سَوَّار (كما عند الطبري في تهذيب الآثار: 1/ 366)، وعبدالرّحمن بن مهدي (كما عند الفاكهي في أخبار مكة: 5/ 29)، كلهم عن شعبة، عن أبي قَيس الأوْدي عبدالرّحمن بن ثَرْوَان، عن هُزَيْل بن شُرحبيل، عن مسروق، عن عائشة، به.
ورواهُ وكيع، عن شعبة، عن أبي قيس، عن هزيل، عن مسروق، عن عائشة: «كانت تصوم عرفة».
·…هل أثر مسروق عن عائشة ضعيف؟!
وهذا الأثر ضعّفه فوزي البحريني بأن عبدالرحمن بن ثروان لين الحديث ويخالف في أحاديثه فلا يحتج به إذا انفرد. وكذلك قال إن هذا الأثر مخالف لما روت عائشة في صحيح مسلم!
وقد ردّ عليه خالد الردادي، وقال إن إسناده صحيح، وتوثيق البحريني لما نقله من تهذيب الكمال فيه تدليس منه - هداه الله- كما قال.
قلت: نعم، هو ليّن الحديث كما قال الأئمة، وهو يخالف في حديثه، ولا يحتج به كما قال الإمام أحمد، ومن هنا فهم البحريني أنه لا يحتج بما انفرد به، وهو استدلال صحيح، ودفاع الردادي عنه بتوثيق الذهبي له في الكاشف غير سديد، سيما وهو نقل عن ابن حجر قوله فيه: "صدوق ربما خالف"، وهذا يعني أنه لا يحتج بما انفرد به، وهذا إنما يكون في الأحاديث المسندة المرفوعة لا في مثل هذه الآثار الموقوفة على الصحابة.
ثمّ إنّ الأثر صحيح في جملته، ولم ينفرد به عبدالرحمن، فقد رُوي بأسانيد صحيحة أخرى عن عائشة كما سبق بيانه، فمثل هذا الأثر من عبدالرحمن يُقبل، ولا يرد.
وحديث عبدالرحمن هذا ذكر أن عائشة كانت تصوم عرفة مطلقاً، ولكن رواية يحيى بن سعيد عن القاسم أنها كانت تصوم عرفة بعرفة، فيُحمل المطلق الذي في رواية عبدالرحمن بن ثروان على المقيّد الذي عند يحيى بن سعيد، فتكون رواية عبدالرحمن مقبولة في الجملة، لكن لا يُحتج بها وحدها في أن عائشة كانت تصوم عرفة في غير الحج لأنه لم يذكر في حديثه في الحج أو في غيره؛ فإذا حملنا روايته على رواية يحيى بن سعيد فعندها تكون روايته مقبولة، وكأنه بسبب ضعفه لم يضبط الرواية ولم يذكر أن صيام عائشة كان في الحج. وأما في الأحاديث المسندة المرفوعة فقد ردّ له أهل العلم حديث المسح على الجوربين؛ لأنه خالف الثقات فيه كما هو مبسوط في مكانه في كتب الأئمة.