تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: بالإضافة إلى أنه لم يسمع من أحد من الصحابة، فهو كثير الخطأ، ويُرسل ويُدلّس، وهذه القصة منكرة.

وروى السهميّ في «تاريخ جُرجان» (ص 142) في ترجمة «أبي إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجي الكسائي الجرجاني»، قال: أخبرنا أبو طلحة محمد بن العوام السيرافي بالبصرة: حدثنا عبدالله بن أسد: حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني: حدثنا إسماعيل بن سعيد - وكان ثقة مأموناً فقيهاً عالماً رحمه الله-: حدثنا يحيى بن الضريس، عن سفيان - هو الثوري-، عن يحيى بن سعيد - هو الأنصاريّ-، عن القاسم بن محمد - ابن أبي بكر الصدّيق- قال: دخل عبدالرحمن بن أبي بكر في عرفة على عائشة، وهي تصب الماء على رأسها، فقال لها أفطري. فقالت: كيف أفطر وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية».

قلت: تفرَّد به إسماعيل هذا، وهو غريبٌ من حديث الثوري بهذا اللفظ! ولهذا أورده السهمي في ترجمته، وكان أورد له قبل هذا حديثاً آخر تفرد به أيضاً!! وقال عنه: "يُقال إن هذا الحديث تفرد إسماعيل بن سعيد الكسائي بهذا الإسناد".

وظاهر إسناده لا بأس به، لكنه غير مشهور عن هؤلاء الرواة المشهورين، وهذا التفرد الغريب في هذه الطبقة لا يقبله أهل النقد! لأن الحديث ينبغي أن يكون منتشراً في مثل هذه الطبقات! ولهذا يورد السهمي وغيره في مصنفاتهم الغرائب والمناكير كما يفعل الخطيب البغدادي أيضاً في تاريخه! ومن لا يعرف كيف يصنّف هؤلاء كتبهم ومنهجهم يهجم على التصحيح بظواهر الأسانيد!

وما يبيّن علّة هذا الحديث: ما رواه الإمام مالك في «الموطأ» (1/ 375) عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد: «أن عائشة أم المؤمنين كانت تصوم يوم عرفة». قال القاسم: "ولقد رأيتها عشية عرفة يدفع الإمام ثم تقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض، ثم تدعو بشرابٍ فتفطر".

ورواهُ ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (3/ 196) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، مثله.

وبهذا يتبيّن أن الصواب عن يحيى بن سعيد أن عائشة كانت تصوم يوم عرفة بعرفة، دون ذكر هذا الأجر الذي في رواية السهمي، وهي رواية معلولة منكرة.

وأخشى أن يكون إسماعيل بن سعيد دخل له متن حديث عطاء المتقدم في متن هذا الحديث! والله أعلم.

وقول الراوي في الإسناد عن إسماعيل: "وكان ثقة مأمونا فقيهاً" لا يعني قبول حديثه الذي يتفرد به في هذه الطبقة التي من شأنها أن يكون الحديث منتشراً.

وهو رحمه الله ليس مشاركة كبيرة في الحديث، وقد قال عنه الإمام أحمد: "فقيه عالم"، وله مسائل كثيرة عن أحمد.

وروى الوليدُ بنُ مُسلمٍ، قال: حدثني أبو داود سليمان بن موسى الكوفي، قال: حدثنا دَلْهَمُ بنُ صالح، عن أبي إسحاق، عن مسروق: «أنه دخل على عائشة يوم عرفة، فقال: اسقوني. فقالت عائشة: يا غلام اسقه عسلاً، ثُم قالت: وما أنت يا مسروق بصائم؟ قال: لا، إني أتخوف أن يكون يوم الأضحى. فقالت عائشة: ليس كذلك إنما الأضحى يوم يضحي الإمام - وفي رواية: ويوم النحر يوم ينحر الإمام-، والتعريف يوم يعرف الإمام - وفي رواية: ويوم عرفة يوم يعرف الإمام-، أو ما سمعت يا مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَعدله بصيام ألف يوم».

رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/ 44)، ثم قال:"لم يروه عن أبي إسحاق إلا دلهم، ولا عن دلهم إلا سليمان، تفرد به الوليد".

وقال المُنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 68): "رواه الطبراني في الأَوسط بإسنادٍ حسنٍ والبيهقي".

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 190): "رواه الطبراني في الأوسط، وفي إسناده دلهم بن صالح، ضعفه ابن معين وابن حبان".

وحكم ابن حجر بغرابته في «أماليه» (ص 142)، ثُم قال: "قلت: رواته موثقون إلا أن في دلهم مقالاً، والمستغرب منه العدد المذكور. وقد روى الفاكهي في «كتاب مكة» من طريق عبدالرَّحمن بن يزيد بن جابر، عن أبيه، عن عطاءٍ، قال: «صيام يوم عرفة بألف يوم»، وإسناده قويّ، ومثله لا يقال بالرأي، فإن كان عطاء تلقاه عن عائشة فهي متابعة جيدة. ويجمع بينه وبين الخبر المشهور - أي خبر أبي قتادة - بأنه قصد بالألف المبالغة، والأصل سبع مئة وشيء فجبر الكسر تجوزاً، والله أعلم".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٥٩