فهذه قصة نفيسة فعضّ عليها بنواجذك؛ لأنها تبيّن لنا كيف تدخل المنكرات على حديث الراوي.
وفُضيل لم يحتج به البخاري ومسلم، وهو صدوقٌ صالحٌ في نفسه، ولكن لا يُحتج به إذا انفرد.
ولأبي حريز موضع واحد عند البخاري في الشهادات متابعة.
روى البخاري في «صحيحه» (2/ 938)، (باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد) من طريق أبي حيان التيمي عن الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: «سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم. قال: فأراه قال: لا تشهدني على جور». وقال أبو حريز عن الشعبي: «لا أشهد على جور».
وقد ذكر ابن حجر في «أَماليه» (ص 141) متابعةً لهذا الحديث، فرواهُ من طريق أَبي إسماعيل الترمذي قال: حدَّثنا هارون بن صالح قال: حدّثنا عبدالرحمن بن زيد بن أَسلم، عن أَبيه، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوم عرفة غفر له ما تقدم من ذنبه سنة، وما تأَخر سنة».
ثم قال: "هذا حديثٌ حسنٌ رجاله موثقون إلا عبدالرحمن، فكان من علماء أهل المدينة، لكنه ضعيفٌ في الحديث. وقد وجدت للحديث عن ابن عمر أَصلاً أخرجه الطبراني بإسنادٍ جيّدٍ من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر، بلفظ: «صوم يوم عرفة كفارة سنتين»، وهي متابعة ناقصة، ولذا حسنته. وأصل الحديث في مسلم من رواية أبي قتادة".
قلت: أما حديث الطبراني فقد بيّنت أنه منكر! فأنّى له الجودة! وهو لا يقوي حديث عبدالرحمن بن زيد الضعيف.
وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم يروي عن أبيه أحاديث منكرة جداً! وقد أجمع أهل العلم على ضعفه، وخاصة أهل المدينة بلدييه.
وقد ضعفه أحمد وعلي بن المديني والبخاريّ وأبو داود والترمذي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازي والنسائي والساجي والدارقطني والطحاوي.
وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/ 57): "كان ممن يقلب الأَخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك".
وقال الحاكم وأَبو نُعيم: "روى عن أبيه أحاديث موضوعة". [تهذيب التهذيب: 6/ 161].
وقال ابن خُزيمة في «صحيحه» (3/ 233): "وعبدالرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجلٌ صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أَحلاس الحديث الذي يحفظ الأَسانيد".
قلت: والراوي عنه هارون بن صالح الطلحي صدوقٌ يُخطئ.
ذكر الذهبي في «الميزان» حديثاً رواه هارون بن صالح، عن عبدالله بن زيد بن أسلم، عن ربيعة الرأي، عن محمد بن إبراهيم التيمي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يحجّ أحد عن أحد إلا ولد عن والده».
قال الذهبي: "هارون بن صالح مجهول".
فتعقبه الحافظ ابن حجر في «اللسان» (4/ 59) فقال: "قلت: الرجل أَجل من ذلك، لكنه يغلط".
قلت: لا يُحتج به إذا انفرد.
·…الشاهد الرابع: ما رُوي عن زَيدِ بنِ أَرْقَمَ:
روى الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (5/ 202) (5089) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن رِشْدِينَ المِصْرِيُّ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَمْرِو بن الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بن قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ زَيْدِ بن أَرْقَمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا».
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 190): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه رشدين بن سعد، وفيه كلام، وقد وُثّق".