·…الشاهد الثالث: ما رُوي عن عبدِالله بنِ عُمر:
روى الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (1/ 229) (751) قالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن بشيرٍ، قَالَ: حدثنا يَحْيَى بن مَعِينٍ، قَالَ: حدثنا مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الفُضيلِ بن مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَرِيزٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ، يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَاللَّهِ بن عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنةٍ».
قال الطبرانيُّ: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، إِلا أَبُو حَرِيزٍ".
وفي المطبوع: «بصوم سنتين»! وهو خطأ.
وقد أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 72) عن علي بن عبدالرحمن عن يحيى بن معين، به. بلفظ: «كنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعدله بصوم سنة».
قال الطحاوي: "فثبت بهذا الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الترغيب في صوم يوم عرفة، فدلّ ذلك أن ما كره من صومه في الآثار الأول هو للعارض الذي ذكرنا من الوقوف بعرفة لشدة تعبهم، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".
قلت: بل هذا الأثر لا يثبت. وهذا الأثر قال عنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 69): "رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن". وتبعه الشيخ الألباني فذكره في «صحيح الترغيب» رقم (1014)، وقال: "حسن لغيره"! وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 190): "رواه الطبراني في الأوسط وهو حديثٌ حسنٌ"! ونقل الأخ الردادي قول المنذري والهيثمي موافقاً لهما! ومالَ إلى صحته أيضاً الحافظ ابن عبدالبر في «التمهيد» (21/ 163)! وكلّ ذلك خطأ.
ورواهُ الطبريُّ في «تهذيب الآثار» (مسند عمر بن الخطاب): (1/ 343) (557) عن محمد بن عبدالأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، به.
ثم قال: "إسناده فيه نظر".
وساقه ابنُ عَدي في «كاملِه» ضمن الأحاديث التي أُنكرت من رواية فُضيل عنه.
قال: حدّثنا ابن مكرم، قال: حدثنا محمد بن صدران: حدثنا معتمر، مثله.
ثُم قال: "وهذه الأحاديث عن معتمر عن فضيل عن أبي حريز التي ذكرتها عامتها مما لا يُتابع عليه".
وقد ساق ابن عدي لأَبي حريز اثني عشر حديثاً، وقال: "ولأبي حريز هذا من الحديث غير ما ذكرته، وعامّة ما يرويه لا يُتابعه أَحد عليه". [الكامل: 4/ 159].
ورواه النسائي في «السنن الكبرى» (2/ 155) عن محمد بن عبدالأعلى عن المعتمر، به. ثُم قال: "أبو حريز ليس بالقوي واسمه عبدالله بن حسين قاضي سجستان، وهذا حديث منكر".
قال عبدالله بن أحمد: سمعت أبي يقول: "أبو حَريز اسمه عبدالله بن حسين، حديثُهُ حديثٌ منكرٌ. روى معتمر عن فضيل عن أبي حريز أَحاديث مناكير، وكان أبو حريز قاضياً بسجستان".
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: سئل أحمد بن حنبل عن أبي حريز، فذكر أن يحيى - يعني ابن سعيد- كان يَحمل عليه، ولا أراه إلا كما قال.
واختلف قول ابن معين فيه: فوثقه مرة، وضعّفه أخرى.
ووثقه أبو زرعة. وقال أبو حاتم الرازي: "هو حسن الحديث، ليس بمنكر الحديث، يُكتب حديثه". [الجرح والتعديل: 5/ 34].
وضعّفه النسائي.
وقال سعيد بن أبي مريم: "ليس في الحديث بشيء".
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عليّ يقول: قال يحيى بن سعيد: قلت لفضيل بن ميسرة أبي معاذ: أحاديث أبي حريز؟ قال: "سمعتها فذهب كتابي. فأَخذ بها بعد من إنسان".
·…سبب وقوع الخطأ في حديث فضيل عن أبي حريز!
قلت: فكأن العلّة في الأحاديث التي رواها فضيل عن أبي حريز ليست من أبي حريز، وإنما من فُضيل؛ لأنه ضيّع كتابه، وهو قد سمع منه، ولكنه بعد فقده لكتابه أخذها من إنسانٍ لا نعرفه، فلا ندري كيف كان كتابه! فيحتمل أن المناكير جاءت من قبله، فالله أعلم.