وهذا لا يعدّ من التشدد في التصحيح والتضعيف - كما يزعم بعض المخالفين-، وإنما الاحتجاج بالضعيف في الفضائل له ذوقٌ يعرفه من خبُر الأسانيد والمتون والرّجال، وعاش مع أهل الحديث، لا سلوك طريق قواعد المصطلح الجامدة!
وحديث أبي قتادة - الذي أثبت أنه مرسلٌ - قد صححه أهل العلم تبعاً لتصحيح مسلم له، ومع ذلك قد ذكر بعض طلبة العلم له شواهد يتقوّى بها - زعموا-.
قال خالد الردادي في معرض ردِّه على فوزي البحريني: "رابعاً - دعواه أنّ شواهد الحديث ضعيفة واهية لا تصلح لتقويته! ولا ريب أنّ هذا تعسف وقلة دراية من الكاتب - هداه الله- في الحكم على جميع شواهد الحديث بالضعف وعدم القبول، وإليك البيان: فقد جاء فضل صيام يوم عرفة من حديث جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم- وهم: سهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وقتادة ابن النعمان، وعبدالله بن عمر، وزيد بن أرقم، وعبدالله بن عباس، وعائشة".
ثُمّ ذكر هذه الأحاديث وخرّجها. وسأذكر هذه الأحاديث وأتكلّم عليها، وبيان هل تصلح هذه الأحاديث لأن ترقى بحديث أبي قتادة إلى الاحتجاج به.
·…لا يُحتج بأحكام الهيثمي على الأحاديث!
والملاحظ على طريقة الردادي أنه في قبوله لكثيرٍ من هذه الأحاديث إنما احتج بأقوال الهيثمي! والهيثمي من أهل العلم ولا شكّ في ذلك-، ولكنه في علم الحديث ليس بذاك المحقق كما قال تلميذه ابن حجر، وقد بيّنت حاله في غير هذا الموضع، وخلاصة الكلام فيه كما قال الحافظ ابن حجر: أنه لا يعرف في علم الحديث إلا الفنّ الذي درّبه عليه شيخه العراقي، ويقصد ابن حجر بذلك: «علم الزوائد»! وهذا العلم لا يرقى بصاحبه أن يكون علماً في هذا العلم الجليل، فيصحح ويضعف، ويحتجّ بأقواله؛ لأنه يحكم على ظواهر الأسانيد دون النظر في العلل، أو أحوال الرّجال كما سأبيّنه إن شاء الله تعالى.
·…الشاهد الأول: ما رُوي عن سَهلِ بن سَعدٍ:
قالَ أَبو بكر ابن أَبِي شَيبةَ في «مصنفه» (2/ 341) (9717): حدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُ سَنَتَيْنِ مُتَتابِعَتَيْنِ».
ورواهُ أبو يعلى في «مسنده» (13/ 542)، وعبد بن حميد (كما في المنتخب من مسنده) (ص 170) (464) كلاهما عن أبي بكر ابن أبي شيبة، به. ورواه الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر) (1/ 343) (558) عن محمد بن إبراهيم الأنماطي عن أبي بكر عبدالله بن أبي شيبة، به. ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (6/ 179) (5923) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وعثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن معاوية بن هشام، به.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 189): "رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح".
وصححه الشيخ الألباني معتمداً على كلام الهيثمي في «صحيح الترغيب» (1012).
قلت:
1 - كيف يكون رجاله رجال الصحيح؟ وأبو حفص الطائفي عبدالسلام بن حفص لم يخرج له البخاري ولا مسلم؟! ومعاوية بن هشام أخرج له مسلم فقط متابعة؟!
2 - تفرّد به عن أبي حازم سلمة بن دينار: أبو حفص عبدالسلام بن حفص الطائفي! وتفرد عن الطائفي: معاوية بن هشام القصّار الكوفيّ!!
قال يحيى بن معين: "عبدالسلام مولى قريش: ثقة مديني".
وقال عبدالرَّحمن بن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 45): سألت أبي عن عبدالسلام بن حفص؟ فقال: "ليس بمعروف".
وقال الذهبي في «المغني» (2/ 394): "ثقة، ولكنه يأتي بغرائب".
قلت: عبدالسلام بن حفص أبو حفص وأبو مصعب المدني أو الطائفي، قيل هما اثنان، وعدّه البخاري واحداً، وهو صدوق، ولكنه يتفرد عن المشهورين بالغرائب. وهذا الحديث منها، فأين أصحاب أبي حازم كسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وغيرهم من الثقات المعروفين، أين هم عن هذا الحديث - إن ثبت أنه رواه عن أبي حازم-؟!