قلت: فالأثر نفسه عن عائشة أورده ابن أبي شيبة في البابين! والذي يُقدّم هنا أن ذلك كان في الحج، فيحمل المطلق على المقيّد.
وقد جاء هذا واضحاً فيما رواه مالك في «الموطأ»، بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، (1/ 75) (133) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ «تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ».
قال القَاسِمُ: "وَلَقَدْ رَأَيْتُهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يَدْفَعُ الْإِمَامُ ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ".
·…من رُوي عنه الحديث موقوفاً عليه!
وقد رُوي هذا الحديث من قول بعض التابعين.
قال الطبري في «تهذيب الآثار» (1/ 344): "ولكن مثل الذي رُوي عن أبي قتادة، عن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، قد رُوي عن بعض التابعين".
ثم قال: حدَّثنا ابنُ حمُيدٍ، قالَ: حدَّثنا يَحيى بن واضحٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن عُبيدٍ، عن إِبراهيم الصائغ، عن حمَّاد – هو: ابن أبي سليمان الأشعري الكوفي-، عن إبراهيم - هو النخعي-، قال: «صيامُ عرفة يَعْدِل سنةً قبله، وسنةً بعده».
وقال: حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قالَ: حدَّثنا الحكمُ بنُ بشيرِ بنِ سَلْمان، قالَ: حدَّثنا عُمرُ بنُ ذَرٍّ، عن مجاهد، قال: «صيام عرفة يَعدِل سنة قبله، وسنة بعده».
قلت: هذان الإسنادان لا بأس بهما وإن كان محمد بن حميد - شيخ الطبري- راويهما فيه كلام! ولكن لأنهما ليسا بمرفوعين فأهل العلم يقبلونهما.
وقد احتجّ الإمام الطبري بهما في تقوية حديث أبي قتادة المرفوع! وهذه طريقةٌ حسنةٌ لو كان المرفوع محفوظاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما أثبتنا أن حديث أبي قتادة مرسلٌ، وهذان الأثران عن إبراهيم النخعي (ت 95 هـ)، ومجاهد ابن جَبْر (ت 103 هـ)، يقويان الإرسال؛ لأنه لو كان هذا الحديث المرفوع له أصلٌ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما حدَّث به إبراهيم ومجاهد دون إسناده المرفوع مع قربهما إلى عهده صلى الله عليه وسلم، وكأن الحديث لما كان منتشراً بالإرسال لم يجدا بأساً في روايته هكذا دون إسناد.
والذي أَرسل الحديث هو أبو قتادة العدوي (ت بعد 85 هـ). فهؤلاء الثلاثة - وهم قريبون في الطبقة- أحدهم يرسل الحديث، والآخران يقفانه دون إسناد، وهذا يدلّ على أن الحديث لا يُعرف له أصلٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه يُشتهى لعظم أجره، وهكذا المراسيل يشتهيها الناس.
والخلاصة أن هذان الأثران لا يقويان حديث أبي قتادة المرفوع - الذي هو حقيقة مرسل- بل يزيدانه ضعفاً، والله تعالى أعلم.
·…وهم في رواية ابن خزيمة!
وجاء عند ابن خزيمة في «صحيحه» (3/ 298) (2117) عن محمد بن بشار وأبي موسى قالا: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة [ح].
وعن بُندار أيضاً قال: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا عبدالأعلى: حدثنا سعيد، عن قتادة [ح].
وعن جعفر بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن مهدي بن ميمون، كلهم عن غيلان بن جرير، عن عبدالله بن معبد الزماني، يعني عن أبي قتادة الأنصاري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل عليه…الحديث.
قلت: هذا اللفظ لا يصحّ! وقد رُوي هذا الحديث عن شعبة وقتادة ومهدي ابن ميمون من طرق كثيرة - كما خرّجته في بداية الكتاب-، ولم يذكر أحد: "بينما نحن عند رسول الله"! إلا في هذا الجمع عند ابن خزيمة! وكلّ الروايات: "عن أبي قتادة: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم".
ومتن الحديث فيه بعض الإشكالات بيّنتها في الكتاب الأصل لما رددت على فوزي البحريني لما أعلّه بعلل لا يُعلّ الحديث بمثلها!!
·…المبحث الخامس: شواهد الحديث.
·…كلمة في التصحيح بالشواهد!
إن مسألة تصحيح الحديث وتحسينه بالشواهد والمتابعات من أعوص مسائل علم الحديث، وقد تهاون فيها كثير من أهل العلم وطلبته! فإذا أراد الواحد منهم تصحيح حديث أو تحسينه حشد هذه الشواهد والمتابعات ولو كانت واهية، ورواتها لا يُحتج بهم، أو هي أحاديث معلولة، لا تقوي ما يذهبون إليه! أو تجدهم يقولون: هذا الحديث في الفضائل، وأهل العلم يتساهلون في الفضائل! وهذا الفِعل الذي أصبح حقيقة مسلّمة قد جرّ الويلات على الأحاديث فصححوا وحسنوا المنكرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.