ولعل أصل تكفير صوم عرفة لسنتين هو ما كان منتشراً بين الناس من أن صيامه يعدل سنتين!
فقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (3/ 196) (13388) عن وَكِيع، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ قَالَ: ذَكَرْتُ لِطَاوُسٍ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَعْدِلُ صَوْمَ سَنَتَيْنِ، فَقَالَ: «أَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ ذَلِكَ؟».
قلت: وهذا إسناد صحيح. ويدلّ على أنه كان منتشراً بين الناس أن صيام عرفة يكفّر سنتين، فرد ذلك طاوس اليماني (ت 106 هـ) بأن هذا لو كان معروفاً لروي عن الكبار كأبي بكر وعمر.
وروى أَبُو يُوسُفَ يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري (ت 182 هـ) في كتاب «الآثار» (ص 177) (804) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَعْدِلُ صَوْمَ سَنَةٍ، وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صَوْمَ سَنَتَيْنِ».
فإنّ صحت هذه الرواية فيكون أيضاً هذا القول منتشراً بين الناس؛ لأن سعيد بن جبير توفي سنة (95 هـ).
وقد أنكر الحسن البصري (ت 110 هـ) على من يقول بأن صوم عرفة يعدل صيام سنة!
روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/ 342) (9722) عن يَزِيد بن هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ الحَسَنِ: أَنَّ صِيَامَ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، فَقَالَ الحَسَنُ: «مَا أَعْلَمُ لِيَوْمٍ فَضْلًا عَلَى يَوْمٍ، وَلَا لِلَيْلَةٍ عَلَى لَيْلَةٍ إِلَّا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ، يَرُشُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ إِدَاوَةٍ مَعَهُ يَتَبَرَّدُ بِهِ».
قلت: وكأن هذا الفضل لصيام عرفة إنما كان لمن حجّ كما هو ظاهر تبويب ابن أبي شيبة في «مصنفه» وإيراده هذا الأثر وغيره في «باب فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِمَكَّةَ».
وأورد الأثر أنّ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَصُومُ عَرَفَةَ» في هذا الباب، وفي باب «مَا قَالُوا فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ»!
·…كيفية التعامل مع الآثار التي يكررها ابن أبي شيبة في كتابه في أكثر من باب!
فالأمر غير واضح هل هذا الفضل الذي كان منتشراً في صيامه في عرفة أم بغير عرفة! ولهذا نجد اختلافاً عند العلماء في ذلك كما هو الظاهر عند ابن أبي شيبة فإنه أورد بعض الآثار في البابين، وهذا من منهجه؛ لأن ذلك غير بيّن بخلاف لو كان الأمر واضحاً عنده فإنه يورده في الباب الذي يخصه. وأيضاً فإنه قد يورد بعض الآثار في بابين: باب يدل فيه الأثر على العموم أو الإطلاق، وباب يدل فيه الأثر على الخصوص أو التقييد، وهذا لا يُعدّ تناقضاً، وإنما يروي الآثار كما سمعها، وحينها يُحمل الخاص على العام، والمطلق على المقيد، فقد رُوي عن عائشة أنها كانت تصوم عرفة مطلقاً دون تحديد ذلك، ورُوي أنها كانت تصومه في الحج، فيُحمل المطلق على المقيد وهو أنه كانت تصومه في الحجّ، ولو كان عندها أيّ حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم لأخبرت به.
روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» في باب «مَا قَالُوا فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ» (2/ 341) (9715) عن وَكِيع، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ «كَانَتْ تَصُومُ عَرَفَةَ».
ثم روى عن غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا مِنَ السَّنَةِ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصُومَهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
ثم روى في باب «فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِمَكَّةَ» (3/ 196) (13394) عن وَكِيع، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ».