ومن حديث أبي قتادة: ما روى الإمامُ أَحمد في «مسنده» (5/ 79) (20771) قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ قُرْصٍ أَوْ قُرْطٍ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ الْيَوْمَ أَعْمَالاً هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعْرِ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ». فَقُلْتُ لأَبِي قَتَادَةَ: فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا هَذَا؟! فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ:"لَكَانَ لِذَلِكَ أَقْوَلَ".
قال ابن حبان في «الثقات» (3/ 303): "عبادة ابن قرص الليثي سكن البصرة، يروي عنه حميد بن هلال، وكان أيوب يقول: عبادة بن قرط، والصحيح بالصاد. قتل بالبصرة سنة إحدى وأربعين في وقعة ابن عامر بن سهم بن غالب الهجيمي". قلت: كذا! يروي عنه حميد! ويُروى عنه عن أبي قتادة العدوي، وحميد يروي عن أبي قتادة.
ورواهُ الدارمي في «سننه» (2/ 407) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن عبادة بن قرظ، به.
ورواه أحمد في «المسند» (3/ 470) عن إسماعيل عن أيوب عن حميد بن هلال، قال: قال عبادة بن قرط، به. لم يذكرا: "أبا قتادة"!
ولعل قول ابن حبان السابق كان معتمداً على إسناد أيوب.
ورواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2/ 190) عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة، قال: قال عبادة، به.
ورواه أبو داود الطيالسي في «المسند» (ص 193) عن قرة بن خالد وسليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة العدوي عن عبادة بن قرط -أو قال: سليمان بن قرط وكانت له صحبة-، به.
كذا قال أبو داود فجعل رواية قرة مثل رواية سليمان بن المغيرة! ولكن في «الحلية» (2/ 16) عند أبي نُعيم من طريق ابن بكار عن قرة بن خالد عن حميد بن هلال قال: قال عبادة بن قرص. فلم يذكر: "أبا قتادة"! ويُحتمل أنه سقط من المطبوع!
وقد أشار البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 93) في ترجمة عبادة بن قرط إلى الاختلاف في الإسناد بين أيوب وسليمان بن مغيرة على حميد. فكأن الأشبه بالصواب وجود أبي قتادة في الإسناد.
ورواه الحاكم في «المستدرك» (4/ 290) من طريق عبدان، قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبدالله بن الصامت، عن أبي قتادة قال: قال عبادة - يعني بن قرط -: "إنكم لتعملون اليوم أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات"، قال: فقلت لأبي قتادة: فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال:"هو ذا كذلك أقول". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: زاد في إسناده: "عبدالله بن الصامت"! وهو من المزيد في متصل الأسانيد، وزيادته وهم.
والخلاصة أن حديث فضل صوم يومي عرفة وعاشوراء هو حديث أبي قتادة الأنصاريّ، وهو مرسلٌ.
·…ما أصل الحديث المرسل؟ وكيف دخل في المرفوع؟
بيّنت فيما سبق أن فضل صوم يومي عرفة وعاشوراء أصله من المراسيل، وهذا يعني أنه كان منتشراً بين الناس، فلما حدّث به أبو قتادة العدوي البصري التابعي جمع كلّ أنواع صيام النوافل في حديث واحد ونسبه للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنه المرفوع الذي صحّ من طرق أخرى، ومنه المرسل الذي لا يصح مرفوعاً.
والظاهر أن أبا قتادة كان أحياناً لا يرفع الحديث المرسل، وإنما كان يقوله موقوفاً من قوله هو كما رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (4/ 285) (7828) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ: «يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ».
ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/ 341) (9713) عن وَكِيع، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ: سَنَةٍ مَاضِيَةٍ، وَسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ».