ورواهُ ابنُ أَبي شيبةَ في «مصنفه» (2/ 468) عن بِشر بن مفضل، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، قال: «كان يُحبّ حسن الكفن. ويقال: أنهم يتزاورون في أكفانهم».
قلت: فكان ابن سيرين أحياناً يحدّث به عن أبي قتادة هكذا، وأحياناً لا يسنده عنه، ولو كان أبو قتادة هذا هو الأنصاري الصحابي لما تخلّى ابن سيرين عن إسناده، ولكنهم كانوا لا يسندون بعض الأحاديث إذا كانت مرسلة مثل هذا الحديث. وهذه الزيادة: «يتزاورون في أَكفانهم» منكرة! لا تصحّ.
·…تصحيح الألباني لهذه الزيادة المنكرة!!
وقد ذكرها الشيخ الألباني في «صحيح الجامع الصغير» رقم (845). وفي «أحكام الجنائز» (35)، وقال: "وروى الجملة الأخيرة منه الترمذي (2/ 133)، وابن ماجه من حديث أَبي قتادة، وقال الترمذي: "حديث حسن". قلت: بل هو حديثٌ صحيحٌ، فإن إسناده عن جابر صحيح، فكيف إذا انضم إليه حديث أبي قتادة؟ "
وذكره أيضاً في «السلسلة الصحيحة» (1425) "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم". وخرّجه من بعض الطرق الهالكة، ثُم ذكر رواية سَلْم عند البيهقي، ثُم قال: "فالحديث عندي حسنٌ بمجموع هذه الطرق. والله أعلم. ثُم وجدت للوراق متابعاً قوياً، فقال ابن السماك في "حديثه" (2/ 95/2): حدثنا عبدالملك: حدثنا إسماعيل بن سنان أبو عبيدة العصفري: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي قتادة مرفوعاً به. وهكذا أخرجه أبو عمرو بن منده في "المنتخب من الفوائد" (ق 254/ 1) عن أبي قلابة الرقاشي: حدثنا إسماعيل بن سنان أبو عبيدة العصفري به. قلت: وهذا إسناد جيد في الشواهد والمتابعات، رجاله رجال مسلم غير العصفري. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وغير أبي قلابة عبدالملك بن محمد الرقاشي قال الحافظ: "صدوق يخطئ، تغير حفظه لما سكن بغداد". قلت: فيرتقي الحديث بهذه الطريق إلى مرتبة الصحيح لغيره. والله أعلم". انتهى كلام الشيخ.
قلت: رواية إسماعيل بن سنان رواها عنه إسحاق بن إبراهيم الصواف، أخرجها الرافعي في «التدوين في أخبار قزوين» (3/ 69)، والحديث ليس بصحيح، بل ليس بحسن، وهو مرسلٌ ضعيف بهذا المتن كما سبق بيانه، والجزء الأول صحّ من طريق أخرى كما هو عند الإمام مسلم، وتقدّم أيضاً.
·…أوهام أخرى في نسبة أبي قتادة!
ومما يدلّ على أنهم كانوا ينسبون «أبا قتادة» التابعي البصري بالأنصاري ظناً أنه الصحابي، ما قاله ابن أبي حاتم في «العلل» (3/ 96): سألت أبي عن حديثٍ؛ رواه محمد بن بكَّار، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عياش بن عبدالله اليشكري، عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري، أنه قال: «ما من يوم أحبّ إليّ من أن أصومه من يوم الجمعة، ولا أكره أن أصومه من يوم الجمعة، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: يعجبني أن أصوم الجمعة لما أعرف من فضله، وأكره أن أصومه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه»؟
قال أبي: "إنما هو: عن أبي قتادة العدوي من التابعين، موقوف".
وقال في موضع آخر (3/ 127): سألت أبي عَن حدِيثٍ؛ رواهُ سعِيدُ بنُ بشِيرٍ، عن قتادة، عن عيّاشٍ اليشكُرِيِّ، عن أبِي قتادة بنِ رِبعِيٍّ، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنّهُ نهى عن صومِ يومِ الجُمُعةِ»؟
فقال أبِي: "رواهُ سعِيدُ بنُ أبِي عرُوبة، عن قتادة، عن عيّاشٍ، عن أبِي قتادة العدوِيِّ، موقُوف".
قال أبِي: "وأبُو قتادة العدوِيُّ مِن التّابِعِين".
قلت: فهذا الحديث ظنّ راويه أن أبا قتادة هو الصحابي الأنصاري، وإنما هو العدوي التابعي، وهذا يؤكد قول ابن معين أن كلّ من روى من البصريين عن أبي قتادة فهو العدوي؛ لأن عيّاش اليشكري بصري.
فالذي حصل في حديث عرفة هو النسبة الخطأ من غيلان بن جرير لما سأله شعبة عن «أبي قتادة» من هو؟! «الأنصاري»؟ فهزّ برأسه: أي نعم! فوهم في ذلك - رحمه الله-.