·…وهمٌ لأبي حاتم الرازي!
قال عبدُالرَّحمن ابنُ أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (7/ 281): سمعتُ أبي يقول: "قد سَمعَ ابن سيرين مِنْ أَبي قَتادة الأَنصاريّ حديثاً أنه قال: إذا انقضّ الكوكب فلا تتبعوه أبصاركم. وكان أَبو قتادة نَزل على ابن سيرين".
قلت: اغتر أبو حاتم الرازي بما جاء في رواية منصور بن زاذان: "نزل بنا"، فظنّ أنه «أبو قتادة الأنصاريّ»، وليس كذلك، وإنما هو: «أبو قتادة العدوي البصري التابعيّ».
والشخص إذا كان بنفس المدينة وزار بيتاً وأقام فيه، فيصلح أن يُقال: "نزل عند فلان"، فهذا اللفظ لا يقتضي أنه كان من بلدٍ آخر، وإنما يقتضي أنه من مكانٍ بعيد، ففهم أبو حاتم من هذا أنه ليس من البصرة، والمشهور عند أهل العلم هو أبو قتادة الأنصاري، فظنّه أبو حاتم هو، فَوَهِم.
ورواية أيوب واضحة في أن نزوله عندهم، أَي زارهم، وهذا يعني أن مسكنه كان بعيداً عنهم، والتنقل في ذلك الزمان كان يحتاج إلى أيام، ولو بالمدينة نفسها، فزارهم، وتعشّى عندهم تلك الليلة، ولو كان أبو قتادة هذا الأنصاريّ الصحابي لما تركه آل سيرين ولسمعوا منه أحاديث كثيرة؛ لأنهم بيت علم، ولكان لهذه الزيارة وقعٌ وانتشار عند أهل البصرة.
وربما يكون معنى أنه نزل عندهم أنه كان مسافراً أو في غزو أو نحوه، فلما جاء البصرة نزل عندهم، والله أعلم.
وهذا الأثر رواه أيضاً ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 334) (26631) عن عبدالرحيم بن سليمان الطائي، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال: «نزل علينا أبو قتادة الأنصاري، فانقض كوكب، فأتبعناه أبصارنا، فنهانا عن ذلك».
ثم رواه عن قبيصة، عن سفيان، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن عبدالله بن الحارث، عن أبي قتادة، مثل حديث عبدالرحيم، عن عاصم.
قلت: ما جاء في الإسناد «الأنصاري» خطأ!! وهو تحريف! والصواب: «البصري».
كما حدث فيما نُقل عن البخاري في مطبوع كتاب ابن عدي!
قال ابن عدي في «الكامل» (5/ 372): "سمعتُ ابن حماد يقول: قال البُخارِيّ: عَبدالله بن معبد الزماني الأنصاري، عَن أبي قتادة لا يعرف له سماع من أبي قتادة".
قلت: هذا تحريف!! والصواب: «البصري» كما هو في «التاريخ الكبير» للبخاري، فإنه قال (5/ 198): "عَبْداللَّه بن مَعْبد الزماني البَصْرِيّ عَنْ أَبِي قتادة، روى عَنْهُ حجاج بن عتاب، وغيلان بن جرير، وقتادة، ولا نعرف سماعه من أبي قتادة".
أو أن بعض الرواة نسبه «الأنصاري»! ولم يأت منسوباً إلا في رواية عبدالرحيم بن سليمان الطائي عن عاصم الأحول!! وبقية الرواة لا ينسبونه!!
وربما يظن ظان أن رواية هشام فيها ذكر «الأنصاري»! لأن ابن أبي شيبة لما ساقها قال: "مثل حديث عبدالرحيم، عن عاصم".
لكن رواية هشام رواها أحمد في «مسنده» (37/ 244) (22549) قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَى كَوْكَبًا انْقَضَّ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: "إِنَّا قَدْ نُهِينَا أَنْ نُتْبِعَهُ أَبْصَارَنَا".
فلم يُنسب هنا!
لكن العجب أن أحمد أورده في «أحاديث أبي قتادة الأنصاري»!! وهذا وهم منه!
والأثر رواه ابن أبي شيبة كذلك من حديث ابن سيرين عن عَبداللَّهِ بن الحَارِث الأَنْصارِيّ أَبي الوَلِيد البَصْرِيّ نسيب مُحَمَّد بن سيرين، وختنه عَلَى أخته، عن أبي قتادة.
فابن سيرين يرويه عن أبي قتادة مباشرة وبواسطة.
وكعادة ابن أبي شيبة في سرد الآثار فإنه ساق أثر أبي قتادة في النهي، ثم ساق أثر الحسن في جواز ذلك.
رواه عن معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن الحسن: «أنه كان لا يرى بأسا أن يتبع الرجل بصره الكوكب إذا رأى به».
ولا يثبت شيء مرفوع في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم.