ثُم ساق الاختلاف في أسانيده، ثُمّ قال: "وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ"، ثُمّ قال: "وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْ هَذَا فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ أَشْبَهَ وَوَضَعَهُ فِي كِتَابِ الجَامِعِ".
قلت: فالبخاريّ استطاع أن يستخرج الرواية الصحيحة ورجّحها، وأخرجها في صحيحه، ودفع عنها الاضطراب.
قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح»: "الِاخْتِلَافَ عَلَى الحُفَّاظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا اِسْتِوَاءُ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ فَمَتَى رَجَحَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ قُدِّمَ، وَلَا يُعَلُّ الصَّحِيحُ بِالمَرْجُوحِ، وَثَانِيهِمَا مَعَ الِاسْتِوَاءِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْحَافِظَ لَمْ يَضْبِطْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ، فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ وَحْدَهَا بِالِاضْطِرَابِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ".
وفي حديث حرملة هذا استطعنا أن نتبيّن الإسناد الصواب، وننفي عنه الاضطراب.
فحرملة بن إياس الشيباني قد تابع عبدالله بن معبد الزماني في رواية هذا الحديث عن أبي قتادة. وحرملة والزماني كلاهما بصريّ.
وحُكْمُ البخاري عليه بأن حرملة لا يعرف له سماع من أبي قتادة هو كإسناد الحديث الأول: لا يعرف لعبدالله بن معبد الزماني سماعاً من أبي قتادة.
وكلامه - رحمه الله- متجه؛ لأن أبا قتادة مدنيّ، فكيف يتفرد بهذا الحديث عنه راويان بصريان! ولا يوجد عند أصحابه المدنيين. فابنه عبدالله بن أبي قتادة من المُكثرين عن أبيه، وأخرج له البخاري ومسلم أحاديث كثيرة عن أبيه، ولا يوجد عنده حديث صوم عرفة!
وكذلك عطاء بن يسار، وعمرو بن سُليم الزّرقي، وأبو سعيد الخدري الصحابي، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، لا يوجد عندهم هذا الحديث! فمن أين جاء عبدالله بن معبد الزّماني وحرملة به؟!
·…منهج البخاري في مسألة السماع عندما يتفرد راو في بلد عن آخر في بلد آخر!
فالبخاريّ رحمه الله نَظَرَ إلى علاقات الرواية ومواطنها، فهذا مدني وأصحابه كُثُر، وذاك بصريّ، ولا يوجد الحديث إلا عندهما! فهذا محلّ ارتياب، فقال البخاري هذه المقولة من أجل ذلك.
ومن خلال النظر في تعامل الأئمة في روايتهم لهذا الحديث، وتصنيفاتهم، وجدتهم أنهم على إجماع أن راويه هو أبو قتادة الأنصاريّ! ومن هنا جاءت بعض الروايات في حديث حرملة عن مولى لأبي قتادة؛ لأن مولاه يُعرف بالرواية عنه!
·…النسبة الخطأ في الأسانيد! وكيف حصل ذلك في حديث أبي قتادة!
ولكني أرى أن هناك خللٌ حصل في نسبة "أبي قتادة" الوارد في الحديث؛ لأن كلّ الروايات التي خرجتها فيما سبق - تقريباً- على عدم نسبته بالأنصاريّ.
ثُمّ وجدت كيف نُسب «أبا قتادة» في الإسناد:
فقد روى الإمامُ أحمد في «مسنده» (5/ 296) عن يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا غَيْلاَنُ بنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِغَيْلاَنَ: الْأَنْصَارِيِّ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ - أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِهِ فَغَضِبَ، الحديث.
وفي «مستخرج أبي عوانة» من طريق روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدِّث، عن عبدالله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة. قلت: الأَنصاريّ؟ قال: الأَنصاريّ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صومه فغضب، الحديث.