تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: فالظاهر أن غيلان بن جرير عندما كان يُحدِّث به عن عبدالله بن معبد لا ينسبه، فاحتاط شعبة لذلك - وهو معروف بتثبته-، فسأله عن أبي قتادة هذا، من هو؟ فقال له شعبة: الأنصاري - أي هل هذا أبو قتادة: الأنصاري الصحابي؟ لأنه جاء اسمه بعد ذكر التابعي، والمشهور في الصحابة ممن اسمه أبو قتادة: الأنصاري - فهزَّ غيلان برأسه، أي نعم هو. ومن هنا جاءت نسبة أَبي قتادة في هذا الحديث في الروايات عن شعبة، ثُم تصرف أصحاب الأصناف في الروايات كما تصرف الرواة فنسبوه بناءً على ما سأل شعبة شيخه.

ولكن يبقى السؤال: هل أصاب غيلان في نسبته؟ أو: لو لم يقل شعبة له: الأنصاري، فماذا كان سيقول؟! ففعل شعبة هذا أشبه ما يكون بالتلقين، وإن فارقه في عدم تقصّد شعبة لذلك، وإنما خطر في ذهنه الأنصاري ظناً منه أن أبا قتادة هذا صحابي، وأشهر الصحابة الذين يعرفون بهذه الكنية هو الأنصاري، فذكره له، فوافقه شيخه غيلان.

وغيلان - وإن كان ثقة- لكن قوله هذا لا يستقيم مع غرابة الإسناد عن أبي قتادة الأنصاري؛ لأن أبا قتادة مدنيّ، والزمانيّ بصريّ، وكذلك حرملة بصريّ. وهذا الحديث لا يُعرف إلا في البصرة.

فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (5/ 307) (2669) قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَنَا شَاهِدٌ - عَنْ الْفَضْلِ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ. حَدَّثَنِيهِ أَبُو الخَلِيلِ عَنْ حَرْمَلَةَ بنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَلِمَةً تُشْبِهُ عَدْلَ ذَلِكَ قَالَ: «صَوْمُ عَرَفَةَ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ، وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ سَنَةٍ».

وهذا الإسناد موافق للإسناد الذي رجّحناه فيما سبق.

·…أغلب الرواة سمعوا الحديث من غيلان وهو شيخٌ كبير!

والملاحظ أن بعض أسانيد الروايات عن غيلان بن جرير (ت 129 هـ) نازلة! وأقدم من رواه عنه قتادة (ت 118 هـ). وغيلان سمع من أنس بن مالك (ت 92 هـ)، فرواية قتادة عنه قديمة وتوفي قتادة قبله بسنين، ولم ينسب قتادة: "أبا قتادة" في روايته.

ورواهُ عنه شعبة (ت 161 هـ)، وأبان العطار (ت في حدود الستين ومائة)، ومحمد بن سليم أبو هلال الراسبي (ت 167 هـ)، وجرير بن حازم (ت 170 هـ)، ومهدي بن ميمون (ت 172 هـ)، وحماد بن زيد (ت 179 هـ).

والظاهر أن غيلان حدّث هؤلاء بهذا الحديث في أَواخر حياته، ولهذا كان يشك في بعض الألفاظ كما مرّ بيانه أثناء التخريج، ومنها: "ذكر الخميس" في بعض الروايات.

روى الرامهرمزي في «المحدّث الفاصل» (ص 236 - 237)، وابن حبان في «صحيحه» (10/ 441) من طريق عمر بن يزيد السياري قال: دخلت على حمّاد بن زيد - وهو شاكٍ- فقلت: حدثني بحديث غيلان بن جرير، فقال: يا بُني، سألت غيلان بن جرير وهو شيخٌ كبيرٌ، ولكني حدثني أيوب. قلت: حدّثني به عن أيوب. قال: حدثنا أيوب عن غيلان بن جرير، عن زياد بن رياح القيسي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها فقتلة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يقاتل لعصبة أو يغضب لعصبة فقتله قتلة جاهلية»

وفي رواية: "يا بني سمعت غيلان وهو شيخٌ كبيرٌ".

فالظاهر أن الذين سمعوه منه - غير قتادة - سمعوه وهو شيخ كبير فلم يضبطه، وعندما سأله شعبة ونسبه له وافقه، والله أعلم وأحكم.

ومما يدلُّ على أن هؤلاء سمعوه من غيلان في أواخر عمره: أنّ سؤال شعبة له يدلّ على أنه كان شيخاً له معرفة جيدة في الحديث، وقد حاولت تتبع رحلات شعبة، ودخوله البصرة، ومتى سمع منه!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٣٩