قلت: لم يتابع أحد من أهل العلم الحسن بن عثمان على هذا القول!
الثالث: أنه توفي في المدينة سنة (54 هـ)، وهذا رأي جمهور أهل العلم.
قال إبراهيمُ بن المُنذر المدنيّ، ويحيى بن بُكير، ومحمّد بن عبدالله بن نُمَير، والليث بن سعد، وابنُ أبي عاصم، وابنُ حِبَّان، والمدائني، وسعيد بن عفير، وشَباب خليفة بن خيّاط، وأبو جعفر الفلاّس: "توفي أبو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين، وسنّه سبعون سنة".
قال محمد بن سعد: نبأنا محمد بن عمر - هو الواقدي-: نبأنا يحيى بن عبدالله ابن أبي قتادة قال: "توفي أبو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة".
كذا في «تاريخ بغداد» (1/ 161)، وكذا ذكر ابن عساكر في «تاريخه» (67/ 153) عن الواقدي. وذكر البيهقي في «معرفة السنن» (2/ 431) قال: "وذَكَرَ الوَاقِدِيُّ عَنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة خَمْس وَخَمْسِينَ، وَهُوَ اِبن سَبْعِينَ سَنَة".
وقال الواقدي:"ولمْ أَرَ بين ولد أبي قتادة وأهل البلد عندنا اختلافاً أن أبا قتادة توفي بالمدينة". ثُم ذكر حديثاً، ثُم قال: "في هذا الحديث خصلتان: موته بالكوفة، وإنما مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وبين هذا وبين ما يقولون ثماني عشرة سنة، وقبره ببني سلمة معروف ليس بين أحد فيه اختلاف، وليس من أهل بدر". [تاريخ دمشق: 67/ 152].
ويؤيد ذلك أَنَّ البخاريّ ذكره في «الأوسط» في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين، واستدل على ذلك بأمور:
1 - قال (1/ 104): حدَّثنا إِبراهيمُ بنُ حمزةَ، قالَ: حدَّثنا موسى بنُ شَيبةَ- مِنْ وَلد كعبِ بنِ مالكٍ- عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ: "أَنَّ مَرْوَانَ بنَ الْحَكَمِ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَة: أَنْ اُغْدُ مَعِي حَتَّى تُرِينِي مَوَاقِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه، فَانْطَلَقَ مَعَ مَرْوَانَ حَتَّى قَضَى حَاجَته".
وَمَرْوَانُ إِنَّمَا وَلِيَ المَدِينَة فِي أَيَّام مُعَاوِيَةَ ثُمَّ نُزِعَ عَنْهَا سَنَة ثَمَان وَأَرْبَعِينَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، ثُمَّ نُزِعَ سَعِيدُ بنُ العَاصِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَأُمِّرَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ. [معرفة السنن والآثار: 2/ 432].
2 - وقال: حدَّثني أَحمدُ بنُ أبي بكرٍ، عن موسى بن شيبةَ بنِ عمرو بن عبدِالله ابن كعبِ بن مالكٍ، عن أُمّهِ، عن جدته خَالدةَ بنتِ عبدِاللهِ بنِ أُنَيْسٍ: "أَنَّ أَباها ماتَ بعد أَبي قتادةَ بنصفِ شَهرٍ".
وقال في «التاريخ الكبير» (5/ 15): قال إِبراهيمُ بن حمزة: حدَّثني مُوسى بنُ شَيبةَ، عن أُمِّ سلمةَ بنتِ معقل، عن جدتها خالدة بنت عبدالله بن أُنيس قالت: "جَاءت أُمُّ البَنين ابنة أَبي قتادة بعد موت أَبيها بنصف شهر إلى عبدِالله بن أُنيس - وهو مريض- فقالت: يا عمّ، أَقرأ أَبي مني السَّلام. فما ردَّ عليها في ذلك شيئاً أو قال نعم".
قلت: والمعروف أنَّ عبدالله بن أُنيس الجهني أبا يحيى المدنيّ مات بالشَّام في خلافة معاوية سنة أَربع وخمسين. [الإصابة: 4/ 16].
ومما يؤيد أيضاً أن وفاة أبي قتادة كانت بعد وفاة عليّ رضي الله عنه بمدة طويلة:
1 - ما رواه عبدالرَّزاق في «مصنفه» (11/ 61) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيل بنِ أبي طالبٍ: "أَنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة لَقيه أبو قتادةَ الأَنصاريّ، فقال: تلقَّاني النَّاس كلّهم غيركم يا مَعشر الأَنصار، فما منعكم أَن تلقوني؟ قال: لَمْ تكن لنا دوَّاب. قال معاوية: فأَينَ النَّواضح؟ قال أَبو قتادة: عَقرْنَاها في طَلبِكَ وطلب أَبيك يوم بدر. قال: ثُمَّ قال أبو قتادة: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال لنا: إِنا لنرى بعده أَثرة. قال معاوية: فَما أَمركم؟ قال: أَمَرنا أَن نَصبرَ حتى نَلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقوه.