تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و- الذي اعتمده ورجحه المزي، والذهبي وابن حجر صحة سماعه من أبي قتادة. قال الذهبي - رحمه الله-: "قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبي قتادة، قلت - الذهبي -: لا يضره ذلك". وقال ابن حجر - رحمه الله-: "عبدالله بن معبد الزماني البصري روى عن أبي قتادة وأبي هريرة وعبدالله بن عتبة بن مسعود وأرسل عن عمر ... قلت: وقال البخاري: لا يعرف سماعه من أبي قتادة .. " انتهى.

قلت:

1 - تفريق الردادي بين مقصود عبارات البخاري لا يتجه؛ لأن هذه العبارات ينوّع فيها البخاري، ومقصوده منها كلّها واحد في النتيجة. فقوله: "لم يسمع منه" أو "مرسل" يدلّ على نفيه للسماع، والعبارات الأخرى لا تخرج عن هذا المعنى مثل: "فلان لا أعرف له سماعاً من فلان"، أو "لا يدرى سمع منه أم لا"، فهي ليست توقف كما ذهب الردادي بل هو حكم منه، وورع البخاري معروف في عبارته، وحاصل ذلك أنه لم يجد من قبله من الأئمة صرّح بأنه لم يسمع من فلان أو أنه مرسل، ففي هذه الحالة يقول هذه العبارات، ومؤدّاها واحد، وهو نفي اللقاء، أي لم يسمع.

·…هل يُفرّق البخاري بين عبارات نفي السماع؟!

يستخدم الإمام البخاري عن نفيه لسماع راو من آخر بعدة عبارات ...

* الجزم بنفي السماع لوجود دليل أو قرينة على ذلك، ويُعبِّر عن ذلك بقوله: «لم يسمع من فلان»، أو «لا نعلم له سماعاً»، أو «لا نعلم سماع فلان من فلان»، أو «لا يذكر سماعاً» أو «لم يذكر سماعاً».

* نفي السماع لمن هو مجهول العين أو مجهول تاريخ الوفاة أو من ليس له إلا رواية واحدة عمن يروي عنه، ويُعبِّر عن ذلك بقوله: «لا يُعرف له سماع من فلان» أو «لا نعرف لفلان سماعاً من فلان».

فهذه عبارات نفي للسماع، فإذا كان الراوي لا نعرف له عمن يروي إلا رواية واحدة ولم يذكر فيها سماعاً، فكيف نثبته مع وجود قرينة أنه لم يسمع منه!

* نفي السماع إذا لم يقم عنده دليل يجزم به على السماع، ويُعبِّر عن ذلك بقوله: «لا أدري سمع فلان أم لم يسمع».

وهذه العبارة في ظاهرها تُحمل على أنه ربما سمع وربما لم يسمع = السماع وعدمه متساويا! وليس كذلك؛ لأن الأصل هو نفي السماع والدليل عليه زائد بخلاف السماع، فالدليل عليه أصل لا زائد.

فالأصل عدم السماع، فإذا أثبتنا السماع لا بد من الدليل على ذلك، وإلا بقينا على الأصل.

* نفي السماع لمن هو مجهول العين أو من ليس له من الرواية إلا القليل، ويُعبِّر عن ذلك بقوله: «لم يتبيّن سماع فلان من فلان» أو «لم يتبين سماع بعضهم من بعض».

فهذا يدل على عدم السماع وهو الأصل، وهو يشير بهذه العبارة إلى أنه بحث وفتش عن السماع فلم يتبين له.

وعليه فإن للإمام البخاري منهجا دقيقا في إطلاق عبارات نفي السماع، ولم يرد أن يُفرّق بينها كما يقول بعض المعاصرين: "قوله (فلان لم يسمع من فلان) واضح في نفيه للسماع، وأما قوله: (لا نعرف لفلان سماع من فلان) فهو ينفي علمه فقط".

وقد قلّد كثير من المعاصرين هذا القول بهذه التفرقة بين عبارات البخاري لأنهم لم يدركوا مغزى كلامه ولم نوّع في عباراته!

فمن ثبت أنه لم يسمع من فلان جزم به البخاري، وأما من لم يثبت أنه سمع ولم يجد دليلا على السماع فنفى سماعه لكن بعبارة أخرى.

فمن قال بأن البخاري نفى علْمه وعلِمه غيره فعليه أن يأتي بالدليل، ولا تنفع المعاصرة في إثبات السماع؛ لأننا لو اعتددنا بكل حديث يرويه معاصر لغيره دون تبيّن السماع لقبلنا أحاديث كثيرة فيها نكارة وغيره!

فمن يُفرّق بين قوله: "فلان لم يسمع من فلان"، وقوله "لا نعلم لفلان سماعا من فلان"، على أن الأولى جزم بنفي السماع، والثانية لم يجزم، ومن صحح حديث من لا نعلم سماع من روى عنه فهنا المُثبت مقدم على النافي"!! فهذا كلام كلّه مردود!!

فالبخاري إذا قال بأنه لا يعلم له سماع، فأين المثبت؟!! هل المعاصرة هي الإثبات؟!! فلا فرق بين العبارتين، وإنما الثانية من خلال الاستقراء يقولها البخاري إذا لم يوجد لهذا الراوي عمن روى عنه إلا حديثاً واحداً، فلا يوجد غيره لمعرفة السماع، فالمؤدى واحد عنده وهو نفي السماع لكن بعبارة أخرى ليفرّق بينهما بما قلناه.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١١٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١١٢٦